فى كل موجة تقنية جديدة، تتكرّر الخطابات، إما بتودعة إحدى المهن، أو التصريح بنهاية أخرى. قيل إن الآلة ستبتلع العمال، وإن الحاسبة ستقضى على المحاسبين، وإن الإنترنت سينهى الجامعات، وإن التجارة الإلكترونية ستغلق الأسواق التقليدية. اليوم يتكرّر المشهد مع الذكاء الاصطناعى، لكن بصوت أعلى، وبعناوين أكثر إثارة! لا شك أن هذا النوع من الخطاب لا يقرأ المستقبل بقدر ما يسوّقه، فالتهويل يبيع أسرع من الدقة، والخوف ينتشر أسرع من الفهم. لكن التجارب السابقة تعلّمنا أن التقنية لا تنهى المهن بقدر ما تنهى النُّسخ القديمة منها، فمن يتمسّك بالطريقة نفسها يتراجع، ومن يتقن الأداة الجديدة يعد تعريف قيمته.
الذكاء الاصطناعى سيغيّر سوق العمل، لا محالة، ومن الخطأ التقليل من أثره، خصوصًا على الخريجين الجدد ومن هم فى بداية مسارهم المهنى. يُشير المنتدى الاقتصادى العالمى إلى إزاحة 92 مليون وظيفة بحلول 2030، ويقابل ذلك ظهور 170 مليون وظيفة جديدة، أى أن المسألة ليست نهاية العمل، بل إعادة تشكيله. كثير من المهام التى كانت تُمنح للموظف المبتدئ كى يتعلّم منها، أصبحت تُنجز اليوم بأدوات ذكيّة أو بوكلاء رقميين. لذلك، لم يعد كافياً أن يدخل الشاب سوق العمل بشهادة فقط، بل عليه أن يدخل بعقلية جديدة، تعرف كيف توجّه التقنية لا أن تنتظر أن تنافسها. استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى اليوم، مع فارق التشبيه، يشبه استخدام خاصية التدقيق الإملائى فى تحرير النصوص! من يرفضها لا يبدو أكثر أصالة، بل أقل استفادة من أدوات متاحة تحسّن جودة العمل وتقلّل الأخطاء. الفكرة ليست أن تفكر الآلة بدلاً عنا، أو تكتب نيابةً عنا، وإن كانت قادرة على ذلك، بل أن نحسن توظيفها كى نصبح أكثر دقة فى الكتابة، وأعمق فى التحليل، وأفضل فى القرار. الذكاء الاصطناعى ليس ندًا للإنسان، بل مضاعف قوة لمن يعرف كيف يستخدمه، بل إنه يُمكّن الموظف المبتدئ من أداء مهام كانت حكراً على المتخصصين، شريطة أن يعرف كيف يوجّه خوارزمياته.
الخبير الحقيقى اليوم ليس من يستنزف وقته فى المهام الروتينية، بل من يحرّر نفسه منها ليركز على ما لا تملكه الآلة، وفى مقدمتها حكمة القرار، وقراءة السياق، وإدارة السمعة، والابتكار، والذكاء العاطفى وقت الأزمات. حتى فى أكثر البيئات حساسية، كالحروب وإدارة العمليات، لم تلغِ التقنية الإنسان. لم تختفِ الحاجة إلى الجندي، ولا المحلّل، ولا القائد، لكنها دون أدنى شك غيّرت طريقة عملهم، ورفعت سقف التوقعات منهم.
المستقبل لن ينحاز لمن يعمل أكثر فقط، بل لمن يعمل بوعى أعمق، ولن يكافئ من يخاف الأدوات الجديدة، بل من يحسن توجيهها دون أن يفقد إنسانيته. فالسؤال ليس أى مهنة سيقضى عليها الذكاء الاصطناعى، بل أى مهارة يجب أن نضيفها كى نبقى أكثر قيمة؟
ضارى عادل الحويل
جريدة القبس الكويتية