زار رئيس هيئة الأركان سانور فى شمال الضفة الغربية يوم الأربعاء الماضى. وهى واحدة من أربع مستوطنات (الأُخرى: كاديم، غانيم، وحومش) أُخليت فى إطار خطة الانفصال التى نفّذها أريئيل شارون [2005]. ومؤخرًا، قررت الحكومة إعادة الاستيطان فى المنطقة، وربما إقامة قاعدة عسكرية هناك أيضًا، إلّا إن ضغط لوبى المستوطنين والرغبة فى الانتقام من شارون وإرثه، كانا عاملَين جاذبَين، لكن هناك ما هو أهم من ذلك: تسعى حكومة نتنياهو، فى أواخر ولايتها، لفكّ ارتباط إسرائيل بالتزاماتها الدولية. كل شىء بات مفتوحًا للخرق ــ الانفصال، أوسلو، لبنان، سوريا، غزة. كل ما لا يمنعه ترامب مسموح.
فى الماضى، خرقت حكومات إسرائيلية القانون الدولى والاتفاقيات التى وقّعتها، لكنها كانت تفعل ذلك بحذر، وعلى نطاق محدود، وتحت غطاء أمنى، وبدعم من جهاز قضائى قوى ومقبول دوليًا؛ أمّا الحكومة الحالية، فلا تكترث، والعالم لا يعنيها إلّا عندما يصوّت فى مسابقة اليوروفيجن.
نظر رئيس هيئة الأركان إلى سانور المتجددة من تلة مجاورة، وأفترضُ أنه أجرى حساباته الخاصة: ما هو عدد الجنود الإضافيين الذين سيضطر إلى نقلهم إلى الضفة الغربية من جبهات أُخرى؟ وكيف سيتعامل مع البؤر الاستيطانية التى تظهر الآن على كل تلة وتحت كل شجرة خضراء؟ وكيف سيتعامل مع الاقتحامات الليلية للقرى الفلسطينية؟
إن الحكومة لا تكتفى بالانفلات من القانون، فلديها رؤية؛ أمّا أعمال الشغب، فهى مجرد قصة غطاء يرويها أناس محترمون لأنفسهم لكى يناموا جيدًا ليلًا. مَن يُطلَق عليهم اسم «شبان التلال» هم عبارة عن ميليشيات مسلحة تعمل لمصلحة الحكومة، بموافقتها وتمويلها.
وأصبحت الخطة السابقة، التى هدفت إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية عبر الكتل الاستيطانية، من الماضى؛ أمّا الخطة الحالية، فتسعى لحلّ تدريجى: فى المرحلة الأولى، إفراغ مناطق الأطراف من سكانها؛ وفى المرحلة الثانية، دفع كل سكان الأرياف إلى المدن، حيث سيعيشون كنازحين؛ الاقتصاد سينهار؛ وكذلك القانون والنظام، وعند ذروة الفوضى، سيأتى الحل: التهجير. أولًا، فصل عنصرى، ثم ترانسفير: كل شىء علنى، لكن لا يوجد شىء رسمى إذا فاتكم تقرير عوديد شالوم فى «يديعوت أحرونوت» يوم الجمعة الماضى، فأقترح أن تعودوا إليه وتتعمقوا فيه؛ شالوم مراسل ميدانى، من النوع الذى يختفى من الإعلام الإسرائيلى بالتدريج، نقلَ ما يجرى فى المنطقة B من الضفة الغربية، وهى منطقة تخضع لإسرائيل، وفق الالتزامات الدولية، وللسيطرة المدنية الفلسطينية. ما يسمى «شبان التلال» استولوا على أراضٍ بالقرب من القرى، وأحرقوا المركبات، وسرقوا الأغنام والماعز، واعتدوا على الرجال، وأرهبوا النساء والأطفال؛ امّا الجنود، فينقسمون إلى مجموعات: بعضهم من أعضاء فرق الحراسة المحلية والاحتياط، يشاركون فى الاعتداءات؛ وبعضهم يراقب من بعيد، خوفًا من التوثيق بالكاميرات، أو من التورط؛ الضباط يرون مسئول أمن محليًا فى سيارة وفّرتها له الدولة، أو جنديًا احتياطيًا يحمل سلاحًا نظاميًا، فيصعب عليهم اعتباره مجرمًا؛ أمّا الشرطة، فلا تتحمس للتدخل، أو التحقيق، وروح بن غفير ترفرف فوقهم.
ما وصفه عوديد شالوم رأيته أنا أيضًا ووصفته، بعد جولات فى كروم منطقة حلحول، وفى مناطق الرعى بين الجبل وغور الأردن. تتكرر التفاصيل بشكل مزعج ومُرهق: قرية أُخرى، إطلاق نار آخر، حرائق أُخرى، عنف ضد النساء والأطفال والمسنين، وطرد الناس بالقوة من بيوتهم وأرزاقهم وأملاكهم؛ أحيانًا تحجب التفاصيل الصورة الكبرى، فمن كثرة الأشجار، لا نرى الغابة، ولا نرى الهدف.
اللواء المتقاعد مندى أور، المنسّق السابق لأعمال الحكومة فى المناطق والخبير فى شئون الضفة حاليًا، اصطحب عددًا من الوزراء والمسئولين السابقين فى جولات إلى مناطق الاحتكاك مؤخرًا؛ تحدثتُ مع بعضهم: لقد عادوا مصدومين، وما رأوه وسمعوه أقنعهم بأن الأمر يتعلق بجرائم حرب.
يمكننا أن نحتجّ مرارًا على التظاهرات المعادية للسامية، وعلى الأكاذيب، وعلى العمل السيئ، أو الخبيث، لكاتب بارز فى «نيويورك تايمز»، هذا كله صحيح، لكن هذه الادّعاءات لا يمكنها أن تخفى ما تفعله حكومتنا فى الضفة الغربية، باسمنا وعلى حسابنا، من دون أن تتحمل مسئولية أفعالها ونتائجها.
إسرائيل تقف على أعتاب انتخابات؛ كل واحد من قادة المعارضة يعبّر عن رأيه يوميًا، بل كلّ ساعة، فى كلّ موضوع ممكن، لكن فيما يتعلق بالفيل الموجود فى الغرفة -أى ما رأيهم فيما تفعله الحكومة وراء الخط الأخضر- فتكاد لا تصدر أى تصريحات؛ الحديث عن العرب ليس «وطنيًا»، لأنه يُبعد الناخبين.
شاء هؤلاء، أم أبوا، فسيضطرون فى النهاية إلى توضيح ما الذى سيفعلونه فى حال ألّفوا حكومة: هل سيفككون البؤر الاستيطانية والمزارع، أم سيواصلون رعايتها؟ هل سيوقفون تمويل «مجرمى التلال»، أم سيستمرون فيه؟ هل سيعيدون أوامر الاعتقال الإدارى التى أوقفها يسرائيل كاتس تحت ضغط الكهانيين؟ وهل سيأمرون الجيش والشاباك والشرطة بأداء عملهم فى الضفة، حتى عندما يتعلق الأمر باليهود؟
إن الحكومة المنتهية ولايتها، إذا رحلت، ستترك وراءها أرضًا محروقة فى قضايا كثيرة، وسيتطلب الأمر إصلاحًا جذريًا؛ أمّا فى المناطق المحتلة، فستكون الأرض أكثر احتراقًا، وأرضًا مشتعلة. لا توجد طريقة للهروب من المواجهة، سواء بسبب العرب، أو بسبب اليهود أيضًا.
ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية