أىُّ عراقٍ هذا المكشوف إسرائيليًّا؟! - خالد أبو بكر - بوابة الشروق
الأربعاء 20 مايو 2026 2:34 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

أىُّ عراقٍ هذا المكشوف إسرائيليًّا؟!

نشر فى : الثلاثاء 19 مايو 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الثلاثاء 19 مايو 2026 - 7:20 م

لم تكن الصدمة العربية هذه المرة نابعة فقط من التقارير التى تحدثت عن وجود قواعد إسرائيلية سرية فى صحراء العراق، بل من المعنى العميق الذى حملته تلك الروايات، وهو أن دولة بحجم العراق، بتاريخها، وجيشها، وحدودها، يمكن أن تتحول إلى أرض رخوة يجرى الحديث عن إنشاء مواقع عسكرية متقدمة فيها تُستخدم فى حرب إقليمية بهذا الحجم، ثم لا يُكشف أمرها إلا بالمصادفة، على يد راعٍ تائه فى الصحراء.


المؤلم أن العرب اعتادوا، خلال السنوات الأخيرة، أخبار الاختراقات الأمنية الإسرائيلية داخل إيران نفسها؛ اغتيالات، وتفجيرات، وعمليات نوعية وصلت إلى قلب الدولة الإيرانية. فرأينا، خلال مواجهتى يونيو 2025، ثم فى الحرب الحالية، كيف استطاعت إسرائيل الوصول إلى مستويات غير مسبوقة من الاختراق، حتى باتت طهران تبدو، استخباراتيًّا، كأنها بيت زجاجى مفتوح. سقط قادة كبار، وضُربت منشآت حساسة، وجرت محاولة الوصول إلى المرشد الأعلى على خامنئى واغتياله، وإلى لاريجانى وغيره، والعشرات من القادة العسكريين والسياسيين والعلماء النوويين وغيرهم.


لكن ما جرى الحديث عنه فى العراق مختلف تمامًا. هنا لا نتحدث عن اختراق أمنى عابر، بل عن إنشاء قواعد ومهابط ومراكز دعم لوجستى داخل أراضى دولة عربية، جرى استخدامها كنقاط متقدمة فى حرب ضد دولة مجاورة، وسط صمت، أو عجز، أو التباس شديد، يحتاج معه العراق إلى تحقيق شفاف وحاسم يكشف الحقيقة كاملة، ويجيب عن الأسئلة التى بات العراقيون أنفسهم يطرحونها بقلق.


التقارير التى نشرتها «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» ووسائل إعلام أوروبية رسمت صورة صادمة. حديث عن قاعدة قرب النخيب فى الصحراء الغربية، ثم تقارير عن موقع ثانٍ فى منطقة أخرى؛ مهبط طائرات، وخيام، ومروحيات، ورادارات، وتشويش إلكترونى، وتحركات قيل إنها استمرت أشهرًا. والأدهى أن بعض تلك التقارير تحدث عن معرفة واشنطن بالأمر منذ منتصف 2025 على الأقل، من دون إبلاغ بغداد رسميًّا.


إذا صحت هذه الروايات، فإن السؤال يصبح قاسيًا ومباشرًا: أى سيادة تلك التى يمكن أن تُقام تحت مظلتها بنية عسكرية أجنبية من هذا النوع من دون اكتشافها؟ وأى دولة تلك التى لا يُثار الأمر فيها إلا بعد مقتل راعٍ عراقى، ثم سقوط ضحايا خلال محاولات استطلاع للموقع؟


الأكثر إيلامًا أن العراق لا يبدو، فى هذه الرواية المتداولة، ممسكًا بالكامل بجغرافيته، بل ساحة مفتوحة لكل اللاعبين. الأمريكيون يسيطرون على المجال الجوى، والإيرانيون يملكون نفوذًا واسعًا عبر الفصائل، والإسرائيليون ــ وفق ما تقوله تلك التقارير ــ وجدوا لأنفسهم موطئ قدم عملياتيًّا فى قلب الصحراء العراقية. أما بغداد، فتبدو كأنها تدير أزمة دائمة، لا دولة ذات سيادة مكتملة.


تحدث خبراء أمنيون عراقيون عن تدمير معظم الرادارات العراقية، وعن عجز تقنى واستخباراتى يجعل البلاد مكشوفة. لكن المسألة لا تبدو تقنية فقط؛ فالدول لا تحمى أمنها القومى بالرادارات وحدها، بل بقرار سياسى وسيادى واضح. والمشكلة أن العراق، منذ سنوات، يعيش فى منطقة رمادية بين النفوذين الأمريكى والإيرانى، حتى أصبح التوازن نفسه نوعًا من الشلل. لا يستطيع أن يصطدم بواشنطن، ولا أن يتحرر من ضغط طهران، ولا أن يمنع أرضه من التحول إلى ساحة حرب بالوكالة.


الأخطر فى القصة أن إنشاء قواعد بهذا الحجم لا يحدث خلال أيام. نحن نتحدث عن عمليات نقل وتجهيز وتمويه وإمداد وتنسيق طويل الأمد. أى إن الأمر يتجاوز فكرة «التسلل» المحدود إلى احتمال وجود بنية عملياتية متكاملة جرى بناؤها بهدوء داخل أراضٍ عراقية يُفترض أنها تحت سيادة دولة كاملة العضوية فى الأمم المتحدة.


ثم تأتى المفارقة الأكثر قسوة: إسرائيل، التى كانت ترى فى العراق، لعقود، أحد أكبر التهديدات الاستراتيجية فى المنطقة، أصبحت قادرة على العمل عسكريًّا داخل أراضيه بهذه السهولة. من بغداد التى كانت ترسل الصواريخ إلى تل أبيب فى التسعينيات، إلى عراق يُقال إن قواعد إسرائيلية سرية أُقيمت فيه فى العقد الثالث من القرن الحادى والعشرين. أى انهيار تاريخى أكبر من هذا؟


السؤال الذى يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كيف دخل الإسرائيليون؟ بل: كيف أصبح الدخول ممكنًا أصلًا؟

التعليقات