قراءة فى مقال قديم - يحيى عبد الله - بوابة الشروق
الأربعاء 20 مايو 2026 12:10 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

قراءة فى مقال قديم

نشر فى : الثلاثاء 19 مايو 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 19 مايو 2026 - 7:25 م

كنت أتدارس مع طلبة الدكتوراة ــ مساق الترجمة الأدبية وتطبيقاتها ــ قضايا وإشكاليات الترجمة الأدبية، وما أكثرها: مدى القدرة على محاكاة الأسلوب الأدبى للكاتب، وعلى نقل الصور الخيالية وكل أشكال المجاز بالنص الأدبى، وعلى التعامل مع خصوصية مصطلحات اللغة المصدر، خاصة العبرية، التى تزخر بمثل هكذا مصطلحات تمثل حقل ألغام حقيقيًا، وعلى التوجهات والقناعات الأيديولوجية، التى تستبطنها وتكتنزها مفردات وأساليب لغة النص، وعلى كيفية نقل الأفكار من دون تحريف أو تعسف، وعلى وجوب ترجمة النص ترجمة أمينة من دون الوقوع فى فخ الحَرْفية المقيتة، وما شاكل ذلك من قضايا جمة.


كنا بصدد تقليب النظر فى ترجمة مقال قديم، كُتب فى القرن الثامن عشر بُعيْد إحياء اللغة العبرية وظهور الأدب العبرى الحديث. ثمة دلالة للتاريخ هنا. فقد كانت اللغة فى ذلك الوقت فى طور الطفولة، تتغذى على مفردات وتراكيب لغوية مصدرها التراث الدينى، وما أدراك ما لغة التراث الدينى!.


لغة عصية كالجبال الوعرة، لا يتسلقها ويعتلى ذراها إلا متمرس. كاتب المقال أديب ومفكر صهيونى معروف، ومنظر لتيار «الصهيونية الروحية»، يُدعى، أشر هيرش جينزبرج (1856 ــ 1927م)، وكنيته الأدبية، «أحد هاعام»، أى إنسان بسيط من عامة الناس. يعبر اختياره لهذه الكنية، فى حقيقة الأمر، عن موقف فكرى، إذ إنه رأى نفسه متحدثًا روحيًا باسم الجماعة اليهودية فى أوروبا، وليس زعيمًا سياسيًا لها.


ومن ثم، دعا إلى إقامة مركز روحى وثقافى لليهود فى فلسطين وليس إلى إقامة دولة بالمفهوم الذى أراده تيودور هرتسل زعيم تيار «الصهيونية السياسية». زار «أحد هاعام» فلسطين عام 1891م (ثم زارها لاحقًا فى الأعوام 1893، و1900، و1922م حيث استوطن فيها).


يُنظر إلى الزيارة الأولى على أنها الأهم لأنه كتب بعدها مقالًا تأسيسيًا شهيرًا أسماه: «حقيقة من أرض إسرائيل»، وهو المقال الذى نحن بصدده، وأردت أن أطلع القارئ العزيز على بعض جوانبه لأهمية ما يحتويه. أثار المقال، فى حينه، جدلًا كبيرًا داخل الدوائر الصهيونية لأنه شكك فى مقولات عديدة روجت لها الحركة الصهيونية، تتصل بأرض فلسطين وبالمقيمين فيها. ينتقد المقال كثيرًا من هذه المقولات، التى تلتبس حتى الآن، للأسف، على بعض الناس فى عالمنا العربى.


• • •
من هنا، وجدت أن من الأهمية بمكان عرض رأى أحد كبار قادة الصهيونية فيها، كما وجدت أن التذكير بها فى هذا الوقت قد تكون به بعض الفائدة. إحدى المقولات الصهيونية، التى فنَّدها «أحد هاعام»، فى المقال، مقولة «أرض بلا شعب». يقول كاتب المقال: «اعتدنا أن نصدق فى خارج «البلاد» (أى خارج فلسطين فى أوروبا. لاحظ عزيزى القارئ اللغة المراوغة، وكيف أن الكاتب، الذى ولد هو وأجداده وأجداد أجداده فى شرق أوروبا، ويعيش بها، ولا ينتمى، أصلًا، إلى العرق السامى، ينظر إلى فلسطين على أنها بلاده!)، أن «أرض إسرائيل» (وليس فلسطين بحسب عقيدته الدينية بخاصة) الآن غير مأهولة كلها تقريبًا، وأنها صحراء جرداء؛ كما فند مفهومًا صهيونيًا، حالمًا، منَّى يهود أوروبا بهجرة سلسة إلى فلسطين، وبإمكانية شراء أرض بها بسهولة: «… وأن كل من يرغب فى شراء أرض بها يأت ويشتر كما يشاء. لكن هذا الأمر ليس صحيحًا فى الحقيقة».


يشهد «أحد هاعام»، فى مقاله، بأن فلسطين أرض عامرة، استغل الفلسطينيون (لا يأتى الكاتب، بالطبع على ذكر الفلسطينيين، وإنما يسميهم العرب، لأنه لا يعترف بوجود قومية فلسطينية مستقلة، ومن ثم يذيبها فى إطار قومية عربية، كى تندثر خصوصيتها) فيها كل بقعة من الأرض تصلح للزراعة: «من الصعب أن تجد فى كل البلاد أرضًا صالحة للزراعة إلاَّ وزُرعت، باستثناء الأراضى الرملية أو الجبال الحجرية، التى لا تصلح إلا لغرس الأشجار، وهو أمر أيضا لا يحدث إلا بعد عمل شاق ونفقات طائلة من أجل تنظيفها وإعدادها لذلك (...) ومن ثم من المتعذر أن تجد أرضًا صالحة للشراء فى كل يوم».


فنَّد «أحد هاعام» فرية كبرى لا يزال يتبناها، للأسف، بعض أبناء جلدتنا، تتعلق بالزعم القائل بأن الفلسطينى (فرَّط) فى أرضه و(باعها) للمهاجرين الصهاينة، إذ يقول: «ليس الفلاحون (الفلسطينيون) فقط، وإنما أصحاب الضياع الكبيرة أيضًا لا يبيعون بسهولة أرضًا صالحة لا شية فيها. كثيرون من إخوتنا الذين أتوا لشراء أرض، يقيمون فى البلاد منذ بضعة أشهر وقد جابوها طولًا وعرضًا، ولم يجدوا بعد بُغْيتهم».


فى مقاله، ينتقد، «أحد هاعام»، المفهوم الصهيونى العنصرى، الذى يصف العربى بالهمجية، والوحشية، والبربرية، وبعدم التحضر؛ وهو مفهوم أصَّل له سفر «التكوين» (16، 12): «وقال لها ملاك الرب (إلى هاجر) ها أنت حُبلى، فتلدين ابنًا وتدعين اسمه إسماعيل (أبا العرب)، لأن الرب قد سمع لمذلتك. وإنه يكون إنسانًا وحشيًا».


• • •
كيف يحكم كاتب النص التوراتى على عرق بأكمله، وهو ما يزال بعد جنينًا فى أحشاء أمه، بالوحشية؟! رب قائل يقول، إن كاتب النص التوراتى عليم، محيط! حسنًا. لماذا اختص هذا (العليم المحيط) العرق العربي، بخاصة، بالتوحش؟! ولماذا غابت عن (علمه المحيط) وحشية الأمريكان، الذين أبادوا السكان الأصليين، وضربوا هيروشيما ونجازاكى بالقنابل الذرية، وقتلوا ملايين فى العراق وأفغانستان، واستهدفوا التلميذات الصغيرات فى مدرسة «شجرة طيبة» بمدينة ميناب بإيران؟!


ولماذا غابت عنه وحشية الإسرائيليين، الذين قتلوا عشرات الأطفال والنساء فى غزة؟! أضاف التلمود، وكتب التراث اليهودى مزيدًا من التوابل العنصرية على النص التوراتى، وتناقلها المستشرقون، وتبنتها الصهيونية. يقول «أحد هاعام»، مفندًا هذا المفهوم العنصرى: «اعتدنا أن نصدق فى خارج «البلاد»، أن العرب كلهم وحوش صحراوية، شعب يشبه الحمار، وبأنهم لا يرون ولا يفهمون ما يجرى من حولهم. لكنه خطأ فادح. فالعربى، مثل سائر أبناء سام، ذو عقل متقد وداهية. إذ تمتلئ كل مدن سوريا و«أرض إسرائيل» بتجار عرب، يجيدون هم أيضًا استغلال العامّة ومجاراتهم لتحقيق المنفعة، كما هو الحال فى أوروبا».


• • •
يتطرق المقال إلى نقطة مهمة تتعلق بمقاومة الفلسطينيين للهجرات الصهيونية وللمشروع الاستيطانى الصهيونى. يرى «أحد هاعام» أن الفلسطينيين راقبوا الموقف فى صمت، لزعمه بأن الهجرة والاستيطان فى مراحلهما الأولى لم يشكلا خطرًا عليهم، لكنه حذَّر، من أن التضييق على الفلسطينيين ومحاولة إزاحتهم من أرضهم لن يكون مأمون العواقب، ومن أن الفلسطينيين لن يتركوا أرضهم بسهولة: «يرى العرب ويعون، خاصة سكان المدن، ما نفعله فى هذه البلاد ويرون مآربنا، لكنهم يلوذون بالصمت ويتظاهرون بأنهم لا يعرفون، ذلك لأنهم لا يرون فى ما نفعل الآن أى خطر على مستقبلهم (...) لكن إذا جاء وقت تطورت فيه حياة أبناء شعبنا «بأرض إسرائيل» بشكل كبير، لدرجة تزيح أقدام شعب الأرض (استعمل الكاتب مصطلحا يبدو بريئًا للوهلة الأولى، شعب الأرض، أى الشعب المقيم فى الأرض، لكن دلالته فى التراث بعيدة كل البعد عن البراءة، كونه يعني، أيضًا: الشعب الأمى/ الجاهل) قليلًا أو كثيرًا، فإن هذا الشعب لن يترك مكانه بسهولة».


صحيحٌ، أن «أحد هاعام» تنبأ بالعواقب، لكنه تجاهل تصدى الفلسطينيين للاستيطان الصهيونى وللهجرات الصهيونية فى مراحلهما المبكرة، خاصة بعد بدء الهجرات الصهيونية المنظمة فى عام 1882م، حيث عارضوا بيع الأرض، وإقامة المستعمرات، وقد اتخذت المقاومة فى هذه المرحلة أشكالًا اقتصادية واجتماعية، وأحيانًا صدامات مباشرة، ثم تنامت، خاصة بعد صدور وعد بلفور عام 1917م، وتحولت إلى حركة وطنية واسعة، وإلى مقاومة مسلحة وثورات (ثورة يافا 1921م، وثورة البراق 1929م، والثورة الفلسطينية الكبرى 1936ـ 1939م).


• • •
من جانب آخر، شنت آلة الدعاية الصهاينة هجومًا خبيثًا على الدولة العثمانية، التى كانت تحكم فلسطين، فى ذلك الوقت، ورفضت التعاون مع زعماء الحركة الصهيونية فى أمور تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، أو شراء الأراضى.


تضمن الهجوم، ضمن أمور أخرى، اتهامات لها بأنها سلطات فاسدة مرتشية، لكن «أحد هاعام» رأى أن كل ما أثير من شبهات حول الحكومة التركية ليس دقيقًا، وأن كبار مسئوليها وطنيون وغيورون على دينهم، إذ قال: «اعتدنا أن نصدق فى «خارج البلاد»، أن الحكومة التركية ضعيفة وفاسدة جدًا، حتى إنها لا تبالى على الإطلاق بما يجرى فى «أرض إسرائيل»، وبأننا نستطيع أن نفعل هناك كل شىء لقاء رشوة، سيما إذا وفَّر ممثلو الممالك الأوروبية حماية لنا. لكننا نخطئ فى هذا الأمر أيضًا خطأً كبيرًا. صحيحٌ، أن «البقشيش» له مفعول السحر فى تركيا، وصحيح أن كبار مسئولى الدولة لا يمكنهم مقاومة إغرائه. لكن علينا أن نعرف، أن الوزراء الكبار هم مع ذلك وطنيون وغيورون جدًا أيضًا على دينهم وحكومتهم، وأنهم يؤدون واجبهم على الوجه الأكمل، وأن مال الدنيا لا يجدى نفعًا، إذا ما تعلق الأمر بالمسائل المتعلقة بالكرامة، وأن تدخل القناصل أيضًا فى أمور كهذه سيكون ضرره فى بعض الأحيان أكثر من نفعه، بحسب ما أعرف من مصادر موثوقة».


ألا ما أحوجنا إلى إعادة تأمل كتابات كبار المنظرين الصهاينة، خاصة الكتابات الأولى، التى هى بمثابة دستور تسير عليه إسرائيل حتى يومنا هذا.


أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة

يحيى عبد الله أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة
التعليقات