للحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران أهداف استراتيجية معلنة وأخرى غير معلنة. تتوافق الدولتان على معظم الأهداف، لكنها غير متطابقة تمامًا. من الأهداف الرئيسة، المعلنة، للولايات المتحدة الأمريكية: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتحقيق استقرار فى المنطقة، وحماية حلفائها -إسرائيل ودول الخليج- وضمان حرية الملاحة، خاصة فى مضيق هرمز، وتقليص نفوذ إيران ونشاطها فى المنطقة عبر وكلائها- حزب الله فى لبنان، والميليشيات الشيعية فى العراق، والحوثيين فى اليمن؛ ومن بين الأهداف غير المعلنة، إسقاط النظام فى طهران وتغييره بنظام موال لأمريكا، والاستحواذ على النفط الإيرانى، ومن ثم التحكم فى حصة كبيرة من مصادر الطاقة فى العالم، بعد الاستحواذ على نفط فنزويلا، ومراكمة أوراق ضغط فى مواجهة الصين، وروسيا، وإخراج إيران من المحور الصينى - الروسى.
ومن بين الأهداف الإسرائيلية المعلنة: إزالة التهديد الذى تمثله إيران على وجود إسرائيل، وكبح وجودها فى المنطقة، خاصة فى سوريا ولبنان، وإضعاف حزب الله، وحلفاء إيران الآخرين، والقضاء على البنية العسكرية الإيرانية، خاصة الصواريخ الباليستية الدقيقة والبرامج العسكرية النوعية المتقدمة، والحفاظ على التفوق العسكرى والاستراتيجى فى المنطقة، أما الأهداف الإسرائيلية غير المعلنة فأبرزها: تغيير وجه الشرق الأوسط، وتوسيع اتفاقيات أفراهام، والحصول على موطئ قدم فى منطقة الخليج، وتصفية القضية الفلسطينية، والتمدد الجغرافى فى المحيط ما أمكن.
• • •
لكن الأمر المثير هو، أن هذه الأهداف الاستراتيجية يغذيها خطابٌ دينى، لا يمكن إغفاله. إذ قدَّم أكثر من 200 جندى من جنود الجيش الأمريكى، شكاوى من أن قادتهم يستعملون خطابًا دينيًا من أجل تبرير الحرب ضد إيران. يقول القادة الأمريكيون، طبقًا لهذه الشكاوى، لجنودهم، إن الحرب «جزء من الخطة الإلهية للرب، وإن الرئيس ترامب اختاره الرب ليشعل حرب هرمجدون (أى حرب يأجوج ومأجوج) فى إيران وأن يحدد بداية رؤيا نهاية الزمان».
من ناحية ثانية، لا يخلو خطاب لوزير الحرب الأمريكى، بيت هيجسيث، من إشارات دينية ولا من رموز دينية، تتعلق بالحروب الصليبية، مثل وشم «صليب القدس» على ذراعه، ويرتبط فكره، بتيارات مسيحية شوفينية تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية دينية محافظة.
يرى الباحث فى جامعة جورج تاون، ماتيو تايلور، أن شغف هيجسيث بالحرب على إيران يرتبط بـ«عداء عام للمسلمين وبانبهار بالحروب الصليبية كنموذج لتفوق الغرب».
يعزز هذا الرأى ما ذهب إليه الفيلسوف الروسى، ألكسندر دوجين، المقرب من دوائر صنع القرار فى موسكو، والمناهض لفكرة العالم أحادى القطب، الذى تتحكم فيه حضارة واحدة هى الحضارة الأمريكية، من أن النظام الكونى الحالى ليس سوى «قناعٍ للإمبريالية الروحية الأمريكية، هدفه الوحيد تأسيس نظام عالمى أحادى القطب ومحو السيادة الثقافية والسياسية للحضارات الأخرى»، محذرًا من أن العالم يقترب من حرب «هرمجدون»، ومن أن احتمال استعمال السلاح النووى لم يعد فكرة مجردة، وإنما واقع ملموس، وإلى أن الحرب الحالية حرب غيبية روحانية.
يرصد دوجين بعدًا لاهوتيًا عميقًا يذكى المواجهات الجيوسياسية ويشحنها بمغزى ميتافيزيقى وأخروى (نهاية العالم)، مشيرًا إلى أن الهجوم الإسرائيلى ضد إيران ليس سوى استيفاء للمشروع الصهيونى، الذى غايته الحقيقية تحقيق حلم «إسرائيل الكبرى»، الذى يُنظَر إلى إيران بوصفها عائقًا رئيسًا فى الطريق إلى تحقيقه. يتهم دوجين مجرم الحرب نتنياهو بأنه يتصرف وكأنه «الماشياح»، وبأنه يقود حربًا ضد كل الشعوب غير اليهودية فى الشرق الأوسط، ويسعى إلى إبادة الفلسطينيين، وبأن سياسته تقوم على الجمع بين الميتافيزيقا، والأخروية والسياسة، بالضبط كما فى العصر التوراتى القديم، وأن هذا هو جوهر الصهيونية، وبأنه يتبنى هو وبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن جفير ماشيحانية كاذبة، وبأنهم يلقون دعمًا من الإنجليكانيين الصهيونيين فى الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد عبَّر الشاعر الإسرائيلى، يارون لوندون، عن هذه الماشيحانية النتنياهوية الاستقوائية فى قصيدة ساخرة عنوانها، «سيأتى مسلحًا بهيكل، ورشاش ومِنطَقة»، قال فيها: حين تنقشع غمامة الغبار والسخام/ مع عودة طيارينا من أرض الخوف/ سيطل الماشياح ممتطيًا ظهر أتانه/ مسلَّحًا بهيكل، ورشاش ومِنطَقَة/ على مسارات الخرسانة الصلبة السوداء/ يرقد سرب من طائرات القاعدة/ سيعدو الماشياح فوق ظهر أتانه فاقعة البياض/ نحو سفح قرية أبو ديس/ يدوى صوت بوق كالرعد/ ويأسر عطرٌ كل أنف/ سيأتى الماشياح هذه المرة/ يقف الماشياح على حافة السفح/ حين تنقشع غمامة الغبار والسخام/ مع عودة مقاتلينا من نهر سمباتيون (ورد ذكره فى الأساطير اليهودية. يقذف حممًا طوال أيام الأسبوع فلا يمكن عبوره، ويستريح فى يوم السبت)/ لن ينجو أى مبنى/ ولا أى لبِنَة أو بلاطة/ فى كل أنحاء الشرق الأوسط/ ستغطى حقول من زهور كما لو كانت بساطًا/ وجه العالم الذى يعانى مثل عدو/ سنقيم علاقات غرامية تحت كل شجرة ونبتة/ سنتكاثر مثل كواكب السماء بوفرة/ حين يأتى الماشياح، ما شياح، ماشياح/ مع عودة فرساننا من أرض الخوف/ سيدوى صوت البوق وسيهتف شعبنا/ على وقْع صوت نهيق أنثى الحمار/ سيحقق ربى كل ما وعد به: على الطريق النازل من قرية أبو ديس/ سيلعب رضيعٌ مع صلٍ أسطورى (ثعبان ورد ذكره فى نبوءة سفر إشعياء عن آخر الزمان 17/ 1 )/ وتقطر كل جبالنا شرابًا مركزًا من عصير الفواكه».
ورد فى الأثر اليهودى أن «الماشياح» المنتظر سيأتى فى آخر الزمان، راكبًا حمارًا (لم يُحدد نوعه: ذكرًا أم أنثى. مسألة خلافية بين الفقهاء اليهود)، كما جاء فى سفر زكريا، 9، 9 «ابتهجى جدا يا بنت صهيون، اهتفى يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتى إليك. هو عادلٌ ومنصورٌ وديع، وراكبٌ على حمار وعلى جحش ابن أتان».
• • •
يدعو، دوجين، إلى وجوب تغيير الطريقة التى نقرأ بها الواقع الجيوسياسى اليوم، لأن التفاسير الكلاسيكية، من وجهة نظره، لم تعد تشرح شيئا، قائلًا: «نحن نشهد مزجًا بين نظريات دينية عتيقة وحساسيات بعد حداثية، يخلق واقعًا جديدًا، تتعايش فيها الأبعاد اللاهوتية، والأسطورية والسياسية جنبًا إلى جنب»، متسائلًا: هل يمكننا بعد أن ننحى تماما احتمال أننا نقف فى بؤرة حرب دينية من شأنها أن تجلب علينا نهاية الزمان؟».
الحرب فى نظر كثير من المتدينين، اليهود والمسيحيين الإنجيليين، فى أنحاء العالم، ليست حدثًا عسكريًا أو استراتيجيًا، وحسب، وإنما تحققٌ حيٌ للنبوءات التوراتية التى كتبت قبل آلاف السنين.
فى هذا الصدد، يشير باحثو التوراة إلى فقرات توراتية تصف الواقع الحالى، خاصة نبوءة سفر حزقيال عن بلاد فارس، وإلى عصر ما يُسمَّى فى الخطاب الدينى اليهودى حرب «يأجوج ومأجوج».
المصطلح، فى حد ذاته، ليس تعبيرًا مجازيًا، وإنما ركيزة أساسية فى التصور اليهودى عن نهاية الزمان، بل وفى التصور النصرانى أيضًا (معركة هرمجدون الحاسمة بين قوى الخير والشر، التى ستقود إلى العودة الثانية ليسوع المسيح).
«يأجوج ومأجوج»، بحسب التراث اليهودى، هم أمم ودول ترمز إلى الأعداء الألداء الذين سيشنون حربًا ضروسًا على بنى إسرائيل بعد أن يعودوا إلى ما يُسمَّى (أرض إسرائيل) من (الجالوت) فى آخر الزمان، قبيل ما يُسمّى بـ«الخلاص» ومجىء «الماشياح»، لكن رب بنى إسرائيل سيحاربهم وسينتصر عليهم ويبيدهم عبر ثورة كونية عالمية، وبعدها يتحقق الخلاص التام لبنى إسرائيل.
تتحدث النبوءة فى سفر حزقيال (الإصحاحان 38، 39: «فارس وكوش وفوط معهم، كلهم بمِجَنٍ وخوذة».) عن إرسال الرب حزقيال إلى شخص يدعى يأجوج قيل إنه ملك لمملكة تسمى مأجوج، تقع بلاد فارس ضمن نطاقها، ويوصف أهلها بأنهم محاربون ومسلحون جيدًا، وإلى أن يأجوج خرج على رأس جيش كبير، ضم شعوبًا عديدة لمهاجمة شعب إسرائيل الذى يقيم آمنًا فى أرض إسرائيل (وكأنى بالرواية التوراتية تحكى العكس تمامًا. إذ إن إسرائيل، كما نعرف، هى التى حرضت على الحرب، وبادرت بها، وأغوت ترامب بالانضمام إليها)، لكن رب بنى إسرائيل هزمهم، فاعترفت كل شعوب الأرض بعظمته، وعاش بنو إسرائيل فى أمان.
يشير باحثو التوراة إلى أن فارس هى إيران الحالية، وينظرون إلى حقيقة أنها رأس الحربة اليوم فى المواجهة مع إسرائيل بوصفها علامة قدرية. يحذر، دوجين، من أن المرحلة القادمة، ستكون نسف المسجد الأقصى وإقامة الهيكل الثالث على أنقاضه.
فى هذا الصدد نستذكر حديثًا دار فى نهاية عام 1978م، بين شبتاى بن دوف، أحد المفكرين البارزين بالتيار الصهيونى الدينى، مع أحد المستوطنين الإرهابيين، وأحد مؤسسى مستوطنة عوفرا، يدعى يهودا عتسيون، استوضح فيه الأخير من بن دوف حول ما إذا كان هدم قبة الصخرة بالمسجد الأقصى سيمثل محفزًا حاسمًا فى عملية الخلاص، فأجابه: «إذا أردت أن تفعل شيئًا يحل كل مشاكل بنى إسرائيل، فافعل هذا الشىء».
وقد جمع عتسيون، بالفعل، هو ورفاقه فى أعضاء التنظيم اليهودى الإرهابى عشرات الكيلوجرامات من المتفجرات لنسف قبة الصخرة، لكن صعوبات فنية حالت دون تنفيذ العملية.
يخطئ من يتصور أن العنصر الدينى غير موجود ضمن معادلة الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران. هو موجود فى الخلفية، وإن كانت الأهداف الظاهرة عسكرية بحتة.
أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة