«يمكن للحضارة أن تبدأ من الريف مجددًا.. إن أردنا»؛ كان هذا عنوان مقالٍ لى نُشر فى أغسطس من عام ٢٠٢٣. ولأن الأسباب التى ذكرتُها فى ذلك المقال والمقالات السابقة له تبرر بوضوح لماذا اقترحتُ أن بداية التحول المتجدد فى مصر يجب أن تنطلق من الريف، وهو ما أعتقد أن التغييرات الجذرية الحادثة الآن فى العالم ــ والتى ستتوالى فى الشهور والسنوات القليلة القادمة ــ تدعمه وتؤكده. ولكن فى ظل هذا التوقيت، كيف نبدأ فى مسار أو مسارات متوازية وفعالة فى هذا الريف بصورة تتعامل مع الواقع المركب للكوكب ومع هذا التغير الكبير؟
يتطلب هذا الأمر بوضوح رؤيةً وفهمًا مبنيين على نقاش عام جاد، ولكن بالتوازى، يتطلب العملَ على عدة مسارات. وسيكون ذلك ممكنًا من خلال التركيز على مجموعة من المشروعات التجريبية فى عدة مجالات، خاصة لدعم التعليم والصحة، وهما ركيزتا التنمية طبقا للكاتب الهندى الحائز على جائزة نوبل فى الاقتصاد أمارتيا صن. وأيضًا فى مجالات استعادة العافية للطبيعة فى مصر، وهى التى تمثل ركيزة رئيسية لوقف التدهور فى التنوع البيولوجى ولمواجهة تهديد التغير المناخى. إن وجود مشروعات رائدة فى مصر بالفعل سيساعد فى دعم إمكانية مستقبلية لتوسع تلك المشروعات، وأيضًا لبناء معرفة تُمكِّن الكثيرين من المشاركة فى نقاش عام يهدف لبلورة رؤية محلية لتحول متجدد نحن فى أشد الحاجة إليه.
• • •
كتبت الكاتبة الاقتصادية اللامعة ماريانا مازوكاتو فى تقريرها عن وجبات الطعام المدرسية كمهمة اقتصادية استراتيجية الصادر فى سبتمبر من العام الماضى:
«للوصول للهدف الثانى من أهداف التنمية المستدامة (القضاء على الجوع، والوصول للأمن الغذائى وتحسين التغذية والترويج للزراعة المستدامة)؛ يجب أن تتغير منظومة الطعام العالمية بصورة جذرية. وهذا سيتطلب ابتكارات واستثمارات متعددة القطاعات. والتحديات التى تواجه ذلك هى تحديات اجتماعية وإيكولوجية وأيضًا اقتصادية».
وتكمل الكاتبة فى تقريرها الهام للغاية:
«تملك وجبات الطعام المدرسية الإمكانية لتكون أداة رئيسية فى استنفار التحول المطلوب فى منظومة الطعام، ولكن فقط إذا تم تصميمها كأداة لها طموح ورسالة ذات هدف استراتيجى. هذا التصميم سيضع فى صلبه أنها لا تدعم تحسين التعليم والصحة والمساواة بين الأطفال فحسب، بل يمكنها أيضًا أن تبلور وتوجه التنمية المستدامة الشاملة».
انتهى التقرير بعشر توصيات، نعرض منها ثلاثٌ؛ الأولى: «يجب إعادة صياغة وجبات المدارس كاستثمار لا كتكلفة، فلها إمكانية دفع النمو، ورفع مستوى وجبات المدارس لتصل إلى كل الأطفال فى سن المدرسة».
أما الثانية: «يجب إعادة توريد وجبات المدرسة بحيث لا تكون ذات طابع إدارى يركز على السعر وتقليل المخاطر، بل لكى تعطى الأولوية لتعظيم القيمة والمنفعة العامة، بما يتضمن خلق فرص متعددة للقطاعات المختلفة فى السوق، وبما يضمن قاعدة اجتماعية وبيئية واقتصادية أعرض وأكثر تنوعًا تُمكّن المنتجين المحليين وتعطى حوافز للابتكار».
والثالثة تركز على المشاركة: «يجب إشراك أصحاب المصلحة فى تصميم المهمة الرئيسية والأدوات، وخاصة بما يضمن إشراك المجتمعات المحلية والتلاميذ والمزارعين وأصحاب العمل والعمال فى تطوير وتنفيذ ذلك، بما يضمن قاعدة عريضة من التأييد والدعم العام والابتكار المحلى».
فمثلًا، يمكن استشارة التلاميذ فى قائمة الطعام وإشراكهم من خلال المناهج ذات العلاقة، وخاصة فيما يتعلق بالاستدامة والصحة. وبينما يخاطب التقرير العالم أجمع، يجب أن نعى أن الظروف المحلية قد تتطلب منا ــ مع الاعتراف بالأهمية الكبيرة لهذا المدخل ــ أن نحاول بلورة مدخل محلى خاص بنا.
• • •
ناقشتُ مع «ثريا أكين» التركية منذ حوالى عامين ــ وقت أن كانت إحدى طالباتى ــ أن نطور فكرة «موائد الرحمن» فى شهر رمضان إلى ما يسمى «المطبخ المجتمعى»، بحيث لا يقتصر دوره على رمضان فقط، ويكون إحدى الأدوات الرئيسية للترويج للنظام الغذائى الصحى المسمى «النظام المرن». النظام الغذائى المرن هو مصطلح خرج به العديد من الخبراء الدوليين فى تقرير هام للغاية فى عام ٢٠١٩ وتم تحديثه فى عام ٢٠٢٥، يصفون فيه كيف يمكن لكوكب الأرض أن يستمر فى إطعام سكانه دون أن يتسبب ذلك فى تدمير محتمل له. إحدى النقاط الهامة فى هذا النظام الغذائى أنه ليس فقط أفضل صحيًا مما نأكله حاليًا فى مصر، ولكنه أيضًا يتطلب قدرًا أقل من المياه وأرضًا زراعية أقل، وهو ما يمثل لنا أهمية كبيرة فى مصر لتقليل الفجوة الغذائية والمساهمة فى تأمين أكبر كمية من الغذاء محليًا. كما أن احتياجه لقدر أقل من الطاقة يمثل أحد الجوانب الهامة له أيضًا.
علمتُ مؤخرًا أنه قبل أن أقترح هذه الفكرة على طالبتى، كان بنك الطعام المصرى قد أطلق مشروع «تكية المحروسة» فعلًا منذ عدة شهور، وهو عبارة عن مطبخ متنقل لتوزيع وجبات ساخنة فى ميادين مصر لتوفير الغذاء للأسر الأكثر احتياجًا. وطبقًا لموقع البنك، يلبى برنامج «تكية المحروسة» احتياجات الكثير من الفقراء والمحتاجين من الغذاء، ويدعم تحسين الظروف المعيشية للكثير من الأسر التى تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية. يساعد البرنامج يوميًا على توزيع الوجبات الساخنة التى تُعَدّ فى المطابخ المخصصة التى يديرها شركاء بنك الطعام المصرى فى المحافظات المختلفة، مما يؤمن الطعام للفقراء والمحتاجين مجانًا على مدار العام فى شكل وجبات يومية، مستهدفًا الفئات المختلفة من المرأة المعيلة، وكبار السن، وحالات العجز والإعاقة، والطلبة الوافدين، وعابرى السبيل فى ١١ محافظة مختلفة فى أنحاء الجمهورية. وبالرغم من أن عدد ما يُوزَّع عن طريق تلك التكايا ما زال محدودًا نسبة لعدد المستهدفين المحتملين، إلا أنه يصل لأرقام معقولة؛ إذ يبلغ عدد الوجبات حاليًا طبقًا للموقع الإلكترونى ٩٠ ألف وجبة شهريًا فى ١١ محافظة، تكفى لإطعام ٣,٠٠٠ فرد يوميًا، وتتكون الوجبة من أرز أو مكرونة، وخضار، ودجاج أو لحم.
• • •
ما هو مهم للغاية فى نموذج بنك الطعام المصرى أنه يتعاون مع مؤسسة بحثية دولية تسمى «المعهد الدولى لسياسات الطعام»، وهو المعهد المهتم بتطوير حلول مستدامة لتقليل الفقر والجوع وسوء التغذية خاصة فى الدول النامية، وهذا المعهد هو أحد المراكز البحثية لما يعرف بـ «التحالف الدولى لمراكز البحث الخاصة بالزراعة»، وهو أكبر شبكة ابتكار زراعى. وتقوم حاليًا تلك المؤسسة بمشروع بحثى لتقييم تأثير برنامج الإطعام الذى يقوم به البنك فى مصر. وهذا التقييم يعتمد على مؤشرات كمية، بالإضافة إلى دراسة ميدانية لتقييم تأثير الجوانب المختلفة لبرامج بنك الطعام المصرى، وهو ما سيؤدى إلى معرفة التحديات والمشكلات بصورة أفضل، مما يُمكِّن من تطوير البرامج القائمة، وأيضًا تصميم برامج أخرى مبتكرة للتعامل مع التحديات المركبة لتوفير الطعام فى مصر.
منذ عدة شهور حضرتُ جلسة ينظمها هذا المعهد، وكان مدير بنك الطعام متحدثًا فيها، وأُعجبتُ بما قاله المدير الذى بدا متمكنًا من فهم ليس فقط التحدى الاقتصادى لتوفير الطعام، ولكن أيضًا الأبعاد الاجتماعية المركبة للتعامل مع ذلك التحدى، وهو ما يقترب مما نصحت به «ماريانا ماتسوكاتو» فى تقريرها الهام عن الوجبات المدرسية. ومن الواضح بالطبع تأثير التعليم الجيد الذى حصل عليه هذا المدير المجتهد سواء فى مصر أو خارجها.
• • •
هناك فرصة كبيرة فى البناء على تجربة «تكية المحروسة» كما أطلقها بنك الطعام المصرى للبدء فى «مطابخ مجتمعية» بصورة تجريبية فى بعض قرى مصر لدعم وجبات مدرسية ساخنة للتلاميذ. والتحدى الذى يجب التعامل معه بجدية هو كيفية توفير التمويل المستدام لمثل هذا المشروع، وهل يمكن الجمع بين التبرعات والمساهمات الحكومية، بجانب مساهمة ــ ولو صغيرة ــ من المجتمعات المحلية المستهدفة بهدف ربطهم بالمشروع والعمل على استدامته؟
لا يعنى إعجابى ببنك الطعام أنهم خالون من النقد، وأعتقد أن النقد الأهم يعتمد على أحد أهم مضامين كتاب ماريانا ماتسوكاتو الجديد «اقتصاديات المصلحة المشتركة»، والذى يركز على أن الاقتصاد المبنى على «المهمة» ليس كافيًا فى حد ذاته؛ حيث إن هناك حاجة ماسة للتركيز على «كيف يمكن عمل تلك المهمة» أيضًا. والمثال هنا، والذى ذكرتْه، هو التأثير الكبير الناتج من تحويل بنوك الطعام إلى «تعاونيات الطعام»، وما شاهدتْه من نتيجة ذلك التغيير على وجوه الناس. أعتقد أن ما يقوم به بنك الطعام فى قرى عديدة يمثل خطوة أولى لمثل هذا التحول.
أستاذ العمارة بجامعة القاهرة