مصر أمام عالم يتغير جذريًا.. من جزر النيل إلى مدن النيل - نبيل الهادي - بوابة الشروق
الخميس 7 مايو 2026 1:49 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

مصر أمام عالم يتغير جذريًا.. من جزر النيل إلى مدن النيل

نشر فى : الأربعاء 6 مايو 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : الأربعاء 6 مايو 2026 - 7:30 م

فى الخريف الماضى، فكرت أننا يمكن أن نطور دراستنا لجزيرة الدهب من خلال تناول سياقها العام فى المدينة واستكشاف إمكانية إيجاد شبكة من المسارات الأيكولوجية. وفى إحدى المحاضرات الأولى سألتنى إحدى الطالبات لماذا ندرس هذا الموضوع الذى يبدو صعبا فأجبتها بأن قضية التدهور فى التنوع الطبيعى، والتى لا تتخذ موقعًا متقدمًا من النقاش بين الناس والمسئولين، هى أحد أهم التحديات التى تواجهنا فى مصر والعالم ككل، كما أنها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتغير المناخى.

 

رسم مجمع لعمل الطلبة والطالبات في خريف ٢٠٢٤ من عمل الطالبات منار أحمد، وسارة والي، ورنا حسين -خريف ٢٠٢٥


جزيرة الدهب هى فى الحقيقة، كما يقدر العديد من العلماء، الأكثر تأثيرا على الحياة على كوكب الأرض. ومع تعقيد الأوضاع فى مدينتنا من غير المنطقى أن نتصور أن هناك حلا سهلا، لكن الأهم ونحن نواجه تحديات مصيرية ألا نكتفى بطرح أهداف عامة أو غير واقعية بل نحاول الوصول لتصور أكثر وضوحًا ويمكن للكثيرين تخيله وتوقع أثره. المدهش أن ما قامت به نفس الطالبة مع فريقها كان أكثر من رائع، إذ يبدو أن هذا التحدى الكبير استفز فيهم قدراتهم على العمل والإبداع.

المسودة الأولى للمسارات الأيكولوجية في القاهرة وما زال ينقصها العمل على تطوير المسارات الفرعية. الرسم من عمل طلبة مقرر المدينة المصرية- خريف ٢٠٢٥


لكن هل يمكننا فعلا شق مسارات أيكولوجية فى مدينة هى أقرب ما يكون للغابة الخرسانية المتربة منها لمكان يدعم حياة ملايين البشر. فبعد عدة تجارب أولية غير ناجحة لإيجاد منطق لعمل تلك المسارات الأيكولوجية كان الماء ومساراته، سواء الطبيعية مثل الوديان أو التى من صنع الإنسان مثل الترع، هو الهادى لنا فى اقتراح تلك المسارات المرتبطة جميعها بالنيل.

جزيرة الدهب وشواطئ النيل المقابلة لها هي منطقة عمل طلبة مشروع التنمية العمرانية في ربيع ٢٠٢٦، كما أن بداية محور أبو النمرس الأيكولوجي يقوم طلبة مادة الزراعة الحضرية باستكشاف إمكانية إدماج أنماط الزراعة الحضرية المختلفة.


تخصص كل فريق من الطالبات والطلبة بأحد المسارات الخمس التى حددناها. أولها وأكبرها هو مسار النيل نفسه شاملا الجزر والشريط الأيكولوجى الحساس على الشاطئين. ثانيها وادى دجلة (وهناك أيضا وادى حوف الذى تناولته فيما سبق إحدى طالباتى فى رسالتها للماجستير)، وثالثها مسار ترعة أبو النمرس فى جنوب الجيزة. أما رابعها فكان ترعة الإسماعيلية فى شمال القاهرة. أخيرا، المسار الخامس وهو عصب الحياة فى القاهرة على امتداد مئات الأعوام وهو مسار الخليج المصرى.

رؤية لمسار النيل الأيكولوجي بحلول ٢٠٥٠، من عمل الطالبات منار أحمد، وسارة والي ورنا حسين


أصبح تساؤلنا ونحن نعمل بهده الطريقة هو: هل يمكن أن تكون جزيرة الدهب مكان نرى فيه بدايات حقيقية لعالم أفضل ليس فقط فى القاهرة ولكن على امتداد نهر النيل من صعيد مصر وحتى دلتاها؟ وهو إن كان سؤالا يبدو طموحا بدرجة كبيرة لكننى أيضا أعتقد أنه واقعيا لدرجة معقولة ببساطة لأن خيارتنا المستقبلية خاصة فى مواجهة تحديات التغير المناخى وتدهور التنوع الطبيعى لا تبدو فقط محدودة ولكن يبدو أيضا الكثيرون لا يأخذون هذه التحديات على محمل جاد بصور كافية.

تخيل شاطئ النيل باعتباره منطقة أيكولوجية تدعم جودة المياه والحياة في النيل ولكنها أيضا يمكن أن تكون منطقة لإعادة وصل الناس بالطبيعة من عمل الطالبات منار أحمد، وسارة والي، ورنا حسين


ليس ما نقوم به حلما، وإن أمكن وصفه بـ «الشجاع»، كما جاء فى رد أحد أعضاء اللجنة الدولية العابرة للحكومات للتغير المناخى فى زيارة لها للقاهرة فى فبراير الماضى فى إطار جولتهم للتعرف على ما يقوم به الباحثون فى جامعة القاهرة لمواجهة التغير المناخى.
نقوم حاليا فى هذا الفصل الدراسى بعدة مجهودات أولها، تطوير إمكانية تحويل مسار أبو النمرس، كما أن ما رأيته من العمل الذى تقوم جمعية مجاورة فى شارع الخليفة يبدو ليس بعيدا، وإن كان ينبغى له أن يراجع بعض الممارسات، وقد بدأت فعلا مع الدكتورة مى الإبراشى، القائمة على المبادرة، بالدخول فى نقاش جاد حول استعادة التنوع البيولوجى فى المنطقة وربطها بصورة حقيقة بالمسار الأكبر، وهو مسار الخليج المصرى.

وقف تدهور التنوع الطبيعي ومواجهة التغير المناخي تقتضي تحولات كبرى في طرق التنقل في موازاة المسار الأيكولوجي للنيل (الكورنيش حاليا)، رسم من عمل الطالبات منار أحمد، وسارة والي، ورنا حسين


تقوم لويزة (طالبة ألمانية تدرس معي) الآن بعمل رسالة الماجستير الخاص بها تحت إشرافى، وتقييم فيها السيناريوهات المختلفة لمستقبل الجزيرة، خاصة تلك التى تفترض تحقق المخطط العام الذى ينوى تحويلها لمنطقة عمرانية متطورة للاستفادة من الموقع الرائع وقيمة الأرض، الذى لا شك أنها تتعدى المليارات من الدولارات، وستقارن ذلك بالسيناريو الآخر الذى يستهدف تحولا متجددا فى الجزيرة يشمل منظومة الطعام، خاصة إنتاجه وأيضا منظومة المياه والطاقة. كل هذا مع التماشى مع استراتيجية التنوع البيولوجى المصرية التى صدرت فى العام الماضى والتى تهدف إلى الحفاظ على/ ودعم استعادة وازدهار التنوع البيولوجى.
أرجو أن يكون فى نهايتها إجابة أوضح ومستندة للعلم والأرقام عمن منهما سيكون أكثر فائدة اقتصادية إذا أدخلنا فى حساباتنا الموارد البيئية وصحة الإنسان.
كما يقوم معتز وهو طالب مصرى آخر، فى جامعة «بى. تى. يو. كوتبوس» BTU Cottbus، بدراسة إنتاج الطعام فى جزيرة الدهب وقد قمت، وسأستمر فى الأغلب، فى مساعدته حيث أتمنى أن تضيف رسالة الماجستير الخاصة به إلى معرفتنا بالحدود التى يمكن من خلالها تطوير منظومة الطعام المحلية هناك.

بداية مسار أبو النمرس الأيكولوجي المقترح هو منظومة مركبة، رسم من عمل هاجر، ورحمة، وميار- يناير ٢٠٢٦

 

يقوم ــ أيضا ــ طلبتى فى مقرر عن الزراعة الحضرية بدراسة إمكانية إدماج أنماطها المختلفة كأحد المكونات المهمة للمسارات الأيكولوجية فى القاهرة، كما نتناول هذا العام مسار أبو النمرس الأيكولوجى.
لا يقتصر حلمنا واهتمامنا على القاهرة، بل هو يتخذها مكانًا لتجربة ما يمكن عمله على امتداد النيل من أسوان جنوبًا حتى رشيد ودمياط شمالًا مرورًا بالعديد من المدن والمستقرات العمرانية.
يمكننا، إذا أردنا، القيام بإصلاحات لمنظومة الحلم المحلى، فبالكفاءة والمسئولية والاستماع للناس يمكن أن نستعيد العمران المرتبط بالنيل والذى يشمل أماكن لائقة لحياة الجميع يوفر لهم الماء والطعام والطاقة بالكمية والجودة الكافية، ويغسل أنفسهم وأرواحهم باللقاء اليومى بالطبيعة البرية الرائعة والمدهشة.
كتبت سابقًا السؤال المحرك لنا، وهو: كيف يمكن تسريع استعادة الطبيعة البرية فى منظومة قائمة تكاد أن تختفى فيها تلك الحياة؟ وبأى شكل عملى يمكن أن تتخذه تلك العملية؟ تكمن أهمية هذا السؤال من معرفتنا أن النافذة الزمنية المتاحة لوقف تدهور التنوع الطبيعى ومواجهة التغير المناخى ضيقة للغاية. فربما تمنحنا تداعيات هذه الحرب غير القانونية على إيران فرصة نادرة لتسريع التخلى عن النفط فى حياتنا وبداية تحول كبير باتجاه حياة طيبة وكريمة للجميع نحن فى أمس الحاجة إليه.
أستاذ العمارة بجامعة القاهرة

التعليقات