«التنمية المحلية»: لا تهاون في استرداد حق الدولة ومنع البناء المخالف
مصدر حكومي: موجات الإزالة تستهدف الحفاظ على الرقعة الزراعية
وكيل «محلية النواب» يقترح ربط الغرامات بقيمة الأرض السوقية مع توقيع عقوبات الحبس
خبير: الأزمة ليست فى القانون بل فى استدامة التنفيذ
قبل أن تهدأ أصوات محركات «البلدوزرات» وتنفض غبار المعركة المعلنة لاسترداد حق الدولة لمنع التعديات على الأراضى الزراعية والبناء المخالف، حتى تدب الحياة من جديد فى الأنقاض؛ فالمخالف الذى غادر موقع التعدى مجبرًا تحت وطأة الحملة، يعود مرة أخرى مغامرًا ليلا أو مستغلًا تراخى الرقابة لإعادة بناء ما تم هدمه، فى مشهد متكرر فى القرى والأحياء. ورغم أن الأرقام الرسمية تتحدث عن آلاف الإزالات، فإن الواقع على الأرض يكشف عن صراع النفس الطويل؛ أبطالها سماسرة عقارات ومواطنون يراهنون على سياسة فرض الأمر الواقع، وجهاز إدارى يحاول إثبات أن هيبة الدولة ليست مجرد موجة مؤقتة لإزالة التعديات بل نظام دائم.
«الشروق» تفتح ملف «العودة الممنوعة» للتعديات، لترصد الفجوة بين نصوص القانون الصارمة وثغرات الرقابة التى يتسلل منها المخالفون. فبينما تتحرك الأجهزة التنفيذية بالمحافظات لإنجاز الموجة الـ29 من الإزالات، يبرز على السطح صراع إرادات خفى؛ طرفاه «قوة الدولة» و«إصرار المخالفين» على كسر الهيبة.
رصدت «الشروق» من خلال جولة ميدانية عودة تدريجية لظاهرة البناء المخالف على الأراضى الزراعية وأملاك الدولة بمحافظتى القاهرة والجيزة، عقب تنفيذ موجات الإزالة المكثفة التى قادتها الدولة خلال الأشهر الماضية. وتبين أن بعض المخالفين يعمدون إلى إعادة البناء فور هدوء الحملات، مستغلين الفترات التى تلى عمليات الإخلاء لاسترداد مواقعهم بالمخالفة للقانون.
فى محافظة الجيزة، وتحديدًا فى قرية برطس التابعة لمركز أوسيم، قال محمد يحيى، الموظف بإحدى شركات القطاع الخاص، إن ظاهرة عودة البناء المخالف بعد إزالة المخالفة أصبحت أمرًا ملموسًا. وأوضح يحيى أن الأجهزة التنفيذية تعلن عن موجات الإزالة وتنفذها بالفعل، لكن بمجرد انتهاء الحملة، يعود البناء مجددًا تحت جنح الهدوء أو استغلالًا لضعف الرقابة الميدانية.
وأشار يحيى، فى تصريحات لـ«الشروق»، إلى أن هذه الحملات تمثل تكلفة بالغة على الدولة والمواطن معًا، مشددًا على ضرورة «المنع من المهد» وتفعيل الردع الحازم ضد المتراخين فى الإدارات المحلية الذين يتساهلون فى تنفيذ القرارات بشكل حاسم.
وفى منطقة وردان بمركز ومنشأة القناطر، أكد صبرى عبدالوهاب أن التحدى على الأرض يبدو أصعب بكثير من لغة الأرقام الرسمية. وقال لـ«الشروق» إن أجهزة المركز نفذت عشرات الإزالات مع تشديدات بالمرور المستمر، إلا أن الواقع يشير إلى أن المخالفات تتم إزالتها، وتعود مرة أخرى خلال أيام، لا سيما فى المناطق النائية أو البعيدة عن الكتل السكنية الرئيسية التى تقل فيها المتابعة الدورية، ما يجعل جهود الإزالة تبدو وكأنها تدور فى حلقة مفرغة.
وفى محافظة القاهرة، كشف على خلف، أحد سكان منطقة حلوان، عن وجود من أسماهم «أباطرة العقارات» الذين يحترفون البناء المخالف. وأوضح أن الحى يقوم بإزالة العقار، ليفاجأ الجميع بقيام صاحب العقار بإعادة البناء فى غضون أيام قليلة.
وطرح خلف وجهة نظر مغايرة، مشيرًا إلى أنه يرى الأفضل للحكومة هو تقنين أوضاع المخالفين بدلًا من تكبد خسائر الهدم التى لا يستفيد منها أى طرف، سواء الدولة التى تفقد موارد أو المواطن الذى يخسر مدخراته دون جدوى.
وفى منطقة المرج، اعتبر حنفى الأسيوطى أن ظاهرة البناء المخالف ممتدة عبر الأنظمة الماضية ولم تنتهِ بعد. وطالب الحكومة بوقفة جادة، قائلًا: «إذا كانت الحكومة غير قادرة على منع إعادة البناء بعد الإزالة، فمن الأفضل عدم الهدم من الأساس». وربط الأسيوطى بين هذه الفوضى وبين تعثر ملف التصالح، موضحًا أن حصول مواطنين على "نموذج 8" دون قدرتهم على استكمال البناء بشكل قانونى دفع الكثيرين للجوء إلى المسارات المخالفة مجددًا.
من جانبها، أكدت منال عوض، وزيرة التنمية المحلية، أن حملات الإزالة الحالية تأتى فى إطار تطبيق صارم للقانون لمنع عودة التعديات. وشددت الوزيرة على أن هناك متابعة يومية دقيقة تجرى عبر منظومة المتغيرات المكانية وتقنيات البث المباشر، لضمان عدم وجود أى تلاعب أو تراخى من قبل المسئولين المحليين.
وأضافت عوض، فى بيان لها، أن الدولة تتحرك فى محورين متوازيين: الأول هو الإزالة الفورية للتعديات، والثانى هو فتح باب التقنين للمواطنين الجادين. وكشفت عن تكليفات واضحة للمحافظين بضرورة قيام رؤساء المدن والقرى بمتابعة الأراضى المستردة بصفة دورية، والتعامل الفورى مع أى محاولة جديدة لإعادة البناء قبل أن تفحل.
وبحسب البيانات الرسمية لوزارة التنمية المحلية، فقد حققت الموجة الـ28 التى انطلقت فى يناير 2026 نتائج ضخمة، شملت تنفيذ نحو 25,946 حالة إزالة. ونجحت الدولة فى استرداد ما يقرب من 2.1 مليون متر مربع من أراضى البناء، بالإضافة إلى 34.6 ألف فدان من الأراضى الزراعية. كما تم التعامل مع 4,082 حالة تعدٍ بالبناء على الأراضى الزراعية بمساحة تجاوزت 1,654 فدان، مع التركيز على وأد المخالفات فى المهد.
وفى السياق ذاته، أكد مصدر حكومى لـ«الشروق»، أن القيادة السياسية تولى ملف التعديات اهتمامًا فائقًا، باعتباره قضية تتعلق بحقوق الأجيال المقبلة. وأوضح المصدر، أن الأجهزة التنفيذية تعمل بكل طاقتها للحفاظ على ما تبقى من الرقعة الزراعية أمام الزحف العمرانى، مشيرًا إلى أن الحملات لا تتوقف عند الإزالة فقط، بل تمتد للمتابعة المستمرة للأراضى المستردة لضمان عدم عودة المعتدين إليها.
من جانبه، شدد محمد عطية الفيومى، وكيل لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، على ضرورة تغليظ العقوبات، بخاصة فى حالات العودة للمخالفة. واقترح ربط الغرامات بقيمة الأرض السوقية مع توقيع عقوبات الحبس.
وأكد الفيومى لـ«الشروق»، أن الدولة تبذل جهودًا كبيرة فى استرداد الأراضى، معتبرًا أن الحفاظ على الأراضى الزراعية لم يعد خيارًا بل أصبح قضية أمن قومى، فى ظل محدودية الرقعة الزراعية وزيادة الطلب على الغذاء.
بينما وضع صبرى الجندى، مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق، يده على الجانب الإدارى، مؤكدًا أن تكرار التعديات يكشف عن خلل فى منظومة المتابعة وليس نقصًا فى القوانين. وأشار إلى أن الوحدات المحلية تعانى نقصًا فى الإمكانيات البشرية، ما يؤدى إلى غياب الحراسة على الأراضى المستردة ويفتح الباب أمام عودة المخالفين.
وحلل حمدى عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، أسباب عودة المخالفين للبناء مرة أخرى، مرجعًا إياها إلى ضعف الرقابة البعدية، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية فى القرى، وبطء إجراءات التقنين التى تدفع البعض للمخاطرة.
واتفق معه الحسين حسان، خبير التنمية الحضارية، مؤكدًا أن الواقع الميدانى يحول المواجهة إلى ما يشبه «حرب استنزاف»، وأن الحل الوحيد يكمن فى الاستدامة وتوفير بدائل سكنية مخططة تمنع المواطن من اللجوء إلى الرقعة الزراعية.