لأنها فى رأيى تعاملت مع الأزمة على أنها مجموعة مشكلات منفصلة تخص كل طرف، لا منظومة واحدة تخص الطفل والأسرة معًا.
تمت معالجة قضايا مثل قانون الرؤية، ونفقة الأطفال، ومنزل الحضانة، والولاية التعليمية، وزواج أحد الوالدين أو اختلاف الدين أو تغيّر دين أحد الوالدين، كلٌ على حدة، وكأنها نزاعات متفرقة بين أم وأب، لا أجزاء من حياة طفل واحد.
هذه النظرة الجزئية أدت إلى حلول تُنصف طرفًا على حساب الآخر، أو تعالج عرضًا وتُهمل الجذر. والسبب فى رأيى هو غياب مبدأين أساسيين كان يجب أن يكونا نقطة الانطلاق لأى تشريع: أولًا، المصلحة الفضلى للطفل التى ينص عليها الدستور المصرى باعتبارها المعيار الحاكم لكل قرار، وثانيًا، حق الإنسان (رجل كان أم امرأة) فى أن يعيش مع شريك اختاره برضا، أو أن ينفصل عنه بكرامة، وأن يؤسس حياة جديدة آمنة مع شريك جديد، وهو حق يكفله الدستور والشرع، ويجب أن يحميه القانون لا أن يعاقب أى طرف على ممارسة هذا الحق. هذين المبدأين لا يتعارضا، بل يضمنا توازنًا عادلًا: طفل ينشأ بين بيتين فيهما رضا وطمأنينة، ووالدان يعيشان بكرامة دون أن يتحول الطفل إلى ثمن للصراع. فـ«السكن» المذكور فى الدستور والشرع ليس مجرد منزل أو معاشرة زوجية أو نفقة أو مدرسة، بل هو شعور بالأمان والبهجة والاستقرار بين والدين متصالحين مع حياتهم سواء كانوا معًا أو منفصلين.
حين ننطلق من هذا الفهم، يصبح واضحًا أن استقرار الطفل هو حجر الأساس لأى نظام حضانة. الطفل يحتاج إلى روتين واضح، إلى مكان يشعر فيه بالانتماء، إلى مدرسة لا تتغير باستمرار، وإلى أشخاص ثابتين فى حياته يمنحونه الإحساس بالأمان. الاستقرار هنا ليس فقط ماديًا، بل نفسى وعاطفى، وأى خلل فيه ينعكس مباشرة على نمو الطفل وتوازنه. لذلك فإن أى تصور عادل للحضانة يجب أن يضمن هذا الاستقرار، لا أن يهدمه تحت ضغط الصراعات أو الإجراءات.
وفى قلب هذا الاستقرار، تأتى أهمية وجود كلا الوالدين فى حياة الطفل. فالأم ليست بديلًا كاملًا عن الأب، ولا الأب بديلًا عن الأم، بل لكل منهما دور متكامل لا يمكن تعويضه بسهولة. الطفل لا يحتاج فقط إلى من يوفر له احتياجاته، بل إلى علاقة حقيقية مع كلٍ من والديه، علاقة تُبنى يومًا بعد يوم من خلال المشاركة فى تفاصيل حياته. فالرعاية اليومية فى الطعام، والدراسة، والحديث، والنادى، والاهتمام بالتفاصيل، هى التى تصنع الترابط الحقيقى، وهى التى تحدد شكل العلاقة فى المستقبل بين شاب أو شابة ووالديهما. وعندما يُختزل دور أحد الوالدين فى التمويل فقط، أو يُستبعد من الحياة اليومية للطفل، فإن الخسارة لا تكون له وحده، بل للطفل أولًا. وهذا أمر ينطبق على العلاقات الزوجية القائمة والأزواج المنفصلين.
غير أن هذا كله لا يمكن فصله عن واقع الانفصال وما يصاحبه من مشاعر معقدة، قد تشمل الغضب والرغبة فى إيذاء الطرف الآخر. وهنا تظهر أهمية أن يكون القانون عادلًا بما يكفى ليحمى الطفل من أن يتحول إلى أداة فى هذا الصراع. فحين يترك القانون مساحات يمكن استغلالها، يصبح الطفل هو الطرف الأضعف الذى يدفع الثمن. ومن هنا فإن دور القانون لا يقتصر على تنظيم الحقوق، بل يمتد إلى حماية الطفل من ديناميكيات قد تعجز الأسرة نفسها عن ضبطها فى لحظة الألم.
• • •
من هذا المنطلق، تبرز الحضانة المشتركة كحل واقعى يمكن أن يحقق التوازن المطلوب، ولكن بشرط أن تُبنى على نظام واضح وقابل للتنفيذ. فليست الفكرة فى تقاسم الوقت بشكل شكلى، بل فى وجود جدول مستقر ومعروف، وأدوار محددة، وآليات تضمن التنفيذ والمراقبة سهلة دون صراع دائم أو لجوء مستمر إلى المحاكم. كما يجب أن يمتد هذا التنظيم ليشمل تفاصيل الحياة الحقيقية للطفل، من الإجازات إلى السفر إلى من يشارك فى رعايته، مع التأكيد أن معيار التقييم يجب أن يكون دائمًا مبنيًا على مصلحة الطفل الفعلية، لا على الشكل الاجتماعى للأب أو الأم.
ولا يمكن الحديث عن العدالة فى الحضانة دون النظر إلى الواقع الاقتصادى والاجتماعى. ففى معظم الحالات وليس كلها، تتحمل الأم العبء الأكبر من الرعاية، مما يؤثر على مسارها المهنى وفرصها فى الترقى المادى والعملى، بينما يتحمل الأب العبء المالى، فينشأ اختلال يضع كل طرف فى دور محدود ويؤثر فى توازن العلاقة مع الطفل. معالجة هذا الوضع تتطلب تغييرًا مجتمعيًا أوسع، يبدأ من تشجيع مشاركة الأب فى الرعاية منذ البداية على مستوى وعى الفرد لأهمية ذلك وعلى مستوى القانون الذى يجب أن يعطيه الحق فى إجازات لرعاية أبنائه فى إطار مؤسسى، وعلى مستوى نظرة مجتمعية تحترم الرعاية كعمل مهم وتفهم أهمية دوره فى بناء وحماية مجتمع مترابط آمن. ويمتد إلى سياسات عمل تدعم الأم دون أن تعاقبها مهنيًا، بحيث تصبح قادرة على أن تكون سندًا لنفسها ولأطفالها، ليس فقط فى حالة الانفصال، بل فى مواجهة تقلبات الحياة المختلفة.
وفى كل ذلك، يظل صوت الطفل عنصرًا لا يمكن تجاهله. فالطفل، مهما كان صغيرًا، لديه إدراك وشعور يجب أن يُؤخذ فى الاعتبار بطريقة مناسبة لعمره، كما أن وضعه الأسرى ليس ثابتًا، بل يحتاج إلى مراجعة دورية تضمن أن ما يُتخذ من قرارات لا يزال يخدم مصلحته. ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن تكون قرارات الحضانة مبنية على تقييم متعدد الجوانب، لا على رؤية قانونية مجردة فقط.
• • •
فى رأيى أن الحل موجود فى قانون الطفل المصرى نفسه، ففى المادة رقم 12 لسنة 1996، قدم المشرع نموذجًا مهمًا لجهة غير قضائية لها سلطات كبيرة تستطيع إذا ما فعلت أن تنقذ آلاف الأسر من دهاليز المحاكم. وذلك من خلال لجان حماية الطفولة، التى تشكل من ممثلين لعدة تخصصات معنية بفهم حالة الطفل فى سياقها الكامل (ممثل عن القضاء، والصحة، والتعليم، والمجتمع المدنى، والشرطة، وأخصائى نفسى واجتماعى، عادة ما يكونوا من نفس الحى التابع لها اللجنة الفرعية). صحيح أن هذا النموذج يُطبق حاليًا فى حالات الأطفال المعرضين للخطر، لكنه يكشف عن قناعة قانونية مهمة، وهى أن مصلحة الطفل لا يمكن اختزالها فى نص جامد، بل تحتاج إلى فهم إنسانى شامل. إن تطوير آلية مشابهة داخل منظومة محاكم الأسرة، تأخذ فى اعتبارها الجوانب النفسية والاجتماعية والتعليمية، قد يكون خطوة ضرورية نحو قرارات أكثر عدلًا، وأقرب إلى واقع الطفل واحتياجاته.
فى النهاية، يبقى جوهر القضية بسيطًا رغم كل تعقيداتها: نحن لا نضع قانونًا لإدارة خلاف بين بالغين، بل لحماية طفل لا يملك القرار. وحين تكون مصلحته هى البوصلة الحقيقية، يمكن أن نجد حلولًا تضمن له أن ينشأ فى بيئة آمنة ومستقرة فيها رضا، بين والدين حتى إن افترقا، يمنحانه ما يحتاجه حقًا «سكن، وأسرة».
أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة