فى يناير 2024، وقّعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع صوماليلاند تتيح لها منفذًا على البحر الأحمر، فى مقابل خطوة نحو الاعتراف السياسى بها. وحاجة إثيوبيا إلى منفذ بحرى، بعد فقدان ساحلها مع استقلال إريتريا عام 1993، تُعد حاجة استراتيجية مفهومة، ويقرّ بها حتى كثير من منتقدى سياسات أديس أبابا.
غير أن الإشكال لا يكمن فى الهدف، بل فى المسار الذى تم اختياره لتحقيقه. فبدلًا من البحث عن ترتيبات إقليمية متعددة الأطراف، جرى التوجه إلى صوماليلاند تحديدًا، بما يحمله ذلك من تجاوز عملى لأحد أكثر المبادئ رسوخًا فى النظام الإفريقى منذ الاستقلال: مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، رغم كل ما شابها من اختلالات. والمفارقة أن مقر الاتحاد الإفريقى، الذى يقوم على حماية هذا المبدأ، يقع فى أديس أبابا نفسها.
كانت مصر من أوائل الدول التى قرأت دلالات هذا التحول. فبموجب اتفاق دفاعى وُقّع فى أغسطس 2024، انخرطت القاهرة فى ترتيبات أمنية مع الحكومة الفيدرالية فى مقديشو، فى خطوة عكست إدراكًا مبكرًا لخطورة تفكك هذا الإطار الإقليمى. كما جاءت تحركات إقليمية أخرى، بمشاركة الصومال وإريتريا وتركيا وجيبوتى، لتؤكد حجم القلق من تداعيات هذا المسار، فى مرحلة كان ما زال فيها قابلًا للاحتواء.
بعد أكثر من عام، بدأت ملامح التحول تتضح بصورة أكبر. ففى ديسمبر 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة عضو فى الأمم المتحدة تقدم على الاعتراف بصوماليلاند ككيان مستقل. وبذلك انتقل الملف من نطاق التفاهمات الثنائية والرسائل السياسية إلى ساحة دولية مفتوحة، مع ما يحمله ذلك من آثار تتجاوز حدود القرن الإفريقى.
هذا التطور لم يكن معزولًا عن سياق أوسع. فقد شهدت الأشهر اللاحقة تحركات داخل الولايات المتحدة، حيث برزت دعوات من داخل الكونجرس، إلى جانب رسائل سياسية بارزة، تدفع فى اتجاه الاعتراف بصوماليلاند، استنادًا إلى اعتبارات تتعلق بالتعاون الأمنى وموقعها فى معادلات التنافس الدولى فى إفريقيا. ورغم أن هذه المسارات لم تُحسم بعد، فإن تزامنها يعكس وجود اتجاه متصاعد، حتى وإن لم يصل إلى مرحلة القرار النهائى.
وفى المقابل، لم تكتفِ صوماليلاند بالانتظار، بل طرحت مقاربة تقوم على تبادل المصالح، بما فى ذلك إتاحة استخدام ميناء بربرة لأغراض عسكرية، إلى جانب الحديث عن موارد طبيعية استراتيجية. وهنا تحديدًا يبرز التحول الأخطر: انتقال فكرة الاعتراف الدولى من كونها نتاجًا لتوافق سياسى وقانونى داخل النظام الدولى والإفريقى، إلى موضوع قابل للتفاوض فى إطار صفقات ثنائية منفصلة.
هذا التحول يطرح إشكالًا يتجاوز الحالة الصومالية نفسها. فإذا أصبح الاعتراف السياسى قابلًا للمقايضة بترتيبات أمنية أو امتيازات اقتصادية، فإن ذلك يعنى عمليًا إدخال سابقة جديدة فى النظام الدولى، قد تمتد آثارها إلى مناطق أخرى فى القارة الإفريقية وخارجها. فالقضية لم تعد مرتبطة بإقليم بعينه، بل بقاعدة تنظيمية تحكم مفهوم الدولة والاعتراف بها.
فى هذا السياق، تصبح مسئولية الاتحاد الإفريقى أكثر إلحاحًا. وحتى الآن، ظل رد الفعل فى حدود البيانات العامة، دون تطوير إطار مؤسسى واضح للتعامل مع الكيانات غير المحسومة أو حالات الاعتراف المنفرد. وفى ظل هذا الفراغ، تصبح قدرة القارة على ضبط تطوراتها السياسية محل اختبار مباشر.
وتزداد حساسية المشهد مع وجود إشارات، فى بعض التقارير، إلى أن دولًا أخرى قد تفكر فى مقاربات مشابهة إذا ما توفر لها الحافز السياسى أو الاقتصادى المناسب. وهو ما يطرح سؤالًا أوسع يتعلق بقدرة النظام الإفريقى نفسه على حماية المبادئ التى تأسس عليها.
لا يتعلق الأمر هنا بالحكم على نوايا الأطراف المختلفة، بقدر ما يتعلق بطبيعة القاعدة التى يجرى اختبارها. فالنظام الإفريقى، منذ استقلال دوله، قام على مبدأ واضح: أن الحدود، رغم هشاشتها التاريخية، ليست قابلة لإعادة التفاوض الفردى، لأن فتح هذا الباب يعنى إدخال القارة فى حالة من إعادة رسم الخريطة بلا سقف واضح.
ومن ثم، فإن التحدى الحقيقى لا يكمن فى الحالة الصومالية وحدها، بل فى إمكانية تحولها إلى نموذج قابل للتكرار. فإذا أصبحت السيادة موضوعًا للتفاوض خارج الأطر الجماعية، فإن السؤال لن يكون حول صوماليلاند فقط، بل حول أى إقليم آخر قد يجد نفسه مستقبلًا فى موقع مشابه.
فى النهاية، لا يبدو أن القضية تتعلق بصراع حول اعتراف بدولة بعينها، بقدر ما تتعلق باختبار أوسع لمفهوم السيادة فى إفريقيا. فإما أن ينجح النظام الإقليمى فى الحفاظ على قواعده الأساسية، أو يدخل مرحلة يصبح فيها الاعتراف نفسه جزءًا من سوق مفتوح للنفوذ والمقايضة، بما يحمله ذلك من انعكاسات تتجاوز بكثير الحالة الراهنة.
مساعد وزير الخارجية الأسبق