ماعت نائمة.. فهل من يوقظها؟ - ياسمين الشاذلي - بوابة الشروق
الأربعاء 20 مايو 2026 12:11 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

ماعت نائمة.. فهل من يوقظها؟

نشر فى : الثلاثاء 19 مايو 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 19 مايو 2026 - 7:30 م

كل صباح نستيقظ على أخبار وحكايات مؤلمة: جرائم تهزّ المجتمع وتقشعر لها الأبدان، اعتداءات لا تُصدَّق وقسوة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، فإلى جانب ما نشهده عالميًا من حروب ومعاناة، من غزة إلى غيرها، يتسّلل إلينا شعور ثقيل بأن شيئًا ليس على ما يرام. ليس الأمر مجرد حوادث متفرقة، بل إحساس بأن ميزانًا ما قد اختل، وأن القيم الدينية والأخلاق التى تنادى بها الديانات السماوية لم تعد حاضرة. فى لحظات كهذه يفرض سؤال نفسه: هل فقدنا البوصلة؟ وهل يمكن أن نجد لها جذورًا أعمق فى تاريخنا؟


وُلد مفهوم مصرى قديم على هذه الأرض منذ آلاف السنين وهو الـ«ماعت». لم تكن ماعت مجرد معبودة فى معتقدات المصريين القدماء، تصور فى هيئة امرأة تعلو رأسها ريشة نعامة، بل كانت مبدًأ كونيًا معقدًا يشمل الحق والعدل والاستقامة والنظام والتوازن، وكان المصرى القديم يؤمن بأن العالم لا يستقيم إلا إذا التزم الإنسان بالصدق وتجنب الظلم، وحافظ على توازن العلاقات بينه وبين الآخرين، وفى هذا الإطار قدّمت مصر القديمة واحدة من أقدم الرؤى المتكاملة التى تربط بين الأخلاق والنجاة فى العالم الآخر. لم يكن الخلود أمرًا يُمنح للجميع، بل كان مشروطًا بأن يكون الإنسان قد عاش حياة قائمة على الصدق والعدل، فلم يكن يكفى أن يؤدى الطقوس، بل كان عليه أن يكون إنسانًا صالحًا فى سلوكه اليومى.


• • •
تتجلى هذه الفكرة بوضوح فى نصوص «الخروج إلى النهار» (المعروف بكتاب الموتى)، وهى مجموعة من النصوص الجنائزية التى تساعد المتوفى على تجاوز الأخطار فى العالم الآخر والوصول إلى محكمة أوزوريس ليحاسب، وهناك يعلن ما يُعرف بالـ«الاعترافات السلبية». ومنها: «لم أظلم إنسانًا، لم أُسىء استخدام حيوان، لم أسع إلى معرفة ما ينبغى كتمانه، لم أُبّدد ميراث اليتيم، لم أفعل شيئًا مما نهى عنه الرب، لم أشِ بعامل عند رئيسه، لم أتسبب فى تعاسة، لم أترك جائعًا، لم أتسبب فى دموع، لم أقتل، لم أُحرّض على القتل، لم أعذب أحدًا، لم أزد ولم أنقص فى المكيال، لم أغش فى مقياس الأرض، لم أتلاعب فى مثقال الميزان، لم أحرم قطيعًا عن مرعاه، لم أمنع ماء الفيضان فى موسمه، لم أبنِ سدًّا أمام المياه الجارية» وهى عبارات تعكس القيم الأخلاقية لقدماء المصريين.


وفى هذا المشهد نجد صورة رمزية مدهشة: وزن القلب. يوضع قلب المتوفى فى كفة من الميزان، وريشة ماعت فى الكفة الأخرى، فإذا كانت الاعترافات صادقة يكون القلب وزن الريشة ويحصل المتوفى على الحياة الأبدية فى العالم الآخر، أمّا إذا كان القلب أثقل من الريشة، التهمه كائن هجين يُدعى عميت يجمع بين فرس النهر والأسد والتمساح وزال صاحبه عن الوجود. هذه الفكرة، أن الإنسان يُحاسب بدقة وأن العدالة لا يمكن التحايل عليها، تذكّرنا بمفهوم الحساب فى الديانات السماوية، حيث تُوزن الأعمال ويُجازى الإنسان عليها.


كان هذا الفكر سابقًا لعصره، ففى بلاد الرافدين القديمة مثلًا كانت النظرة إلى الحياة الآخرة أكثر قتامة وتشاؤمًا، حيثُ كان الموتى يذهبون إلى عالم سفلى مظلم، بغض النظر عن أعمالهم فى حياتهم، ولم تكن فكرة الثواب الأبدى القائم على السلوك الأخلاقى، والتى تعد محورًا أساسيًا فى الديانة المصرية القديمة، واضحة.


• • •
هنا تكمن نقطة بالغة الأهمية: أن المصرى القديم لم يرَ فى الدين مجرد طقوس، بل نظامًا أخلاقيًا متكاملًا. لم يكن يكفى أن يقدم القرابين، بل كان عليه أن يتحلى بالصدق، والرحمة، واحترام الآخرين، وهذا المعنى هو من صميم ما تؤكد عليه رسالات السماء. من هنا ربما نحتاج إلى إعادة النظر فى الطريقة التى نرى بها هذا التراث. ليس باعتباره مجرد ماضٍ "وثني" منفصل عنا، بل كجزء من تاريخ إنسانى طويل فى البحث عن العدل. فالمصريون القدماء، فى محاولتهم لفهم العالم، توصّلوا إلى فكرة بسيطة وعميقة: أن بقاء العالم نفسه مرتبط بالعدل، وأن الظلم ليس مجرد خطأ، بل خلل فى نظام الكون.


فى الأدب المصرى القديم، لا يظهر غياب «ماعت» فقط باعتباره خللًا دينيًا أو أخلاقيًا، بل باعتباره انهيارًا كاملًا للنظام الذى يقوم عليه العالم. ومن أكثر النصوص التى تعكس هذا التصور بوضوح نص «تعاليم إيبور» أو «شكوى إيبور»، وهو نص أدبى شهير يعود أصله على الأرجح إلى عصر الدولة الوسطى، يصوّر مجتمعًا انقلبت فيه الموازين، وغابت عنه العدالة، وسادت فيه الفوضى التى كان المصريون القدماء يطلقون عليها اسم «إسفت»؛ أى نقيض «ماعت».


فى هذا النص يشكو الحكيم إيبور من الانهيار الشامل: الأغنياء أصبحوا فقراء، والفقراء صاروا يملكون الثروات، والجرائم انتشرت، والناس فقدوا الإحساس بالأمان، والرجل ينظر لإبنه كأنه عدو، والنيل لم يعد مصدر خير كما ينبغى، والبلاد أصبحت وكأنها فقدت روحها. ولا يقدّم النص هذه الأحداث باعتبارها مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية، بل باعتبارها نتيجة مباشرة لغياب «ماعت»، أى غياب الحق والعدل والتوازن الأخلاقى الذى يحفظ استقرار الكون والمجتمع.


من اللافت أن النص لا يركّز فقط على معاناة الأفراد، بل على اضطراب النظام الكونى نفسه. ففى الفكر المصرى القديم لم يكن الظلم مسألة شخصية فحسب، بل خطرًا يهدد العالم كله. فإذا انتشرت الأنانية والجشع والعنف، اختلّ التوازن بين البشر والآلهة والطبيعة. ولذلك كان الحفاظ على «ماعت» مسئولية جماعية، تبدأ من الحاكم، لكنها تشمل المجتمع بأسره.


ورغم أن بعض الباحثين ناقشوا ما إذا كان النص يصف أحداثًا تاريخية حقيقية أم أنه عمل أدبى رمزى، فإن أهميته الحقيقية تكمن فى رؤيته الأخلاقية. فهو يعبّر عن خوف المصرى القديم من عالم تغيب عنه القيم، ويؤكد أن الحضارة لا تقوم بالقوة وحدها، بل بالعدل والرحمة واحترام النظام الأخلاقى. وربما لهذا السبب ظل مفهوم «ماعت» أحد أكثر المفاهيم استمرارية وتأثيرًا فى الحضارة المصرية القديمة.


اليوم نحن نواجه واقعًا أليمًا فى العالم أجمع بسبب اختلال هذا التوازن ويجب أن نسأل أنفسنا: ماذا لو كان السبب فى غياب هذا المبدأ من داخلنا؟ ماذا لو كانت «ماعت» لا تزال موجودة، لكنها نائمة؟
إذا كانت كذلك فعلينا جميعًا أن نوقظها.


معاون وزير الآثار لشئون المتاحف الأسبق والمشرف على إدارة المنظمات الدولية والتعاون الدولى الأسبق

ياسمين الشاذلي معاون وزير الآثار لشئون المتاحف الأسبق والمشرف على إدارة المنظمات الدولية والتعاون الدولي الأسبق
التعليقات