منذ أيام، جاءت بيانات التضخم الصادرة عن البنك المركزى المصرى والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء لتبشّر بعودة مسار التباطؤ النسبى فى معدلات ارتفاع الأسعار ــ بعد انتكاسة عابرة ــ؛ حيث تراجع معدل التضخم الأساسى السنوى إلى 13٫8% فى أبريل 2026 مقابل 14% فى مارس، كما انخفض التضخم العام للحضر إلى 14٫9% مقابل 15٫2% فى الشهر السابق، مع تباطؤ فى المعدلات الشهرية أيضًا.
وعلى الرغم من أن هذه البيانات تمنح صانع السياسة النقدية قدرًا من الارتياح النسبى، فإن قراءتها باعتبارها إعلانًا بانتهاء الموجة التضخمية أو بداية انفراج اقتصادى شامل يظل أمرًا محاطًا بكثير من التحفّظ. فتراجع التضخم فى الاقتصادات النامية - خاصة تلك التى تمر ببرامج تصحيح هيكلى حادة - لا يعكس دائمًا التحسّن الحقيقى فى مستويات المعيشة، بل قد يكون فى بعض الأحيان انعكاسًا لتراجع الطلب الكلى تحت وطأة ضعف القوة الشرائية واستنزاف الدخول الحقيقية، خاصة إذا جاء هذا التراجع الهامشى فى أعقاب صدمات تضخمية عنيفة فى أسعار منتجات الطاقة وبعض الخدمات الأساسية.
• • •
هنا تظهر واحدة من أكثر القضايا المنهجية تعقيدًا فى تحليل التضخم، وهى احتمالية الحيود فى قياسه بمختلف أنواعه. فالتضخم الأساسى، الذى يستبعد السلع الأكثر تقلبًا مثل الغذاء والطاقة، يمنح صورة أكثر هدوءًا عن الاتجاه العام للأسعار، لكنه قد يحجب جزءًا كبيرًا من الضغوط اليومية التى يتحملها المواطن. أما التضخم العام، فرغم أنه أكثر تعبيرًا عن الواقع المعيش، فإنه يتأثر بعوامل موسمية واستثنائية قد تجعل قراءته أكثر تقلّبًا، فضلًا عن تحيزات القياس واختيار المجموعات السلعية وسنة الأساس.. وفى جميع الأحوال، فإن تغيّر أنماط الاستهلاك ذاتها ــ نتيجة اضطرار الأسر إلى التحول إلى بدائل أقل جودة أو تقليص الاستهلاك ــ قد يؤدى إلى ما يشبه «الانكماش القسرى للطلب»، فتتباطأ الأسعار ليس لأن الاقتصاد تعافى، بل لأن المستهلك أصبح عاجزًا عن الشراء بالمعدلات السابقة.
وقد شهدت عدة دول مثل الأرجنتين وتركيا هذه الظاهرة خلال مراحل التصحيح النقدى؛ حيث تراجعت بعض المؤشرات التضخمية مؤقتًا بالتوازى مع انكماش فعلى فى القوة الشرائية، قبل أن تعود الضغوط التضخمية لاحقًا بفعل ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة. ومن هنا، فإن قراءة الأرقام الحالية فى مصر تحتاج إلى قدر من التوازن؛ فلا هى مدعاة للتشاؤم الكامل، ولا مبرر للتفاؤل المفرط.
فالحقيقة أن جزءًا معتبرًا من الضغوط التضخمية الحالية والمرتقبة ما زال مرتبطًا بما يُعرف بـ«تضخّم التكاليف»، لا «تضخم الطلب». فرفع أسعار المحروقات والكهرباء والإنترنت لا يتوقف أثره عند التكلفة المباشرة، بل يُمرَّر بشكل قوى إلى تكاليف الإنتاج والنقل والتخزين لكل سلع وخدمات المجتمع. هذا النوع من التقشّف يؤدى إلى «تضخم التكاليف»، وهو أصعب أنواع التضخم علاجًا؛ لأنه يضرب جانب العرض (الإنتاج)، ويجعل الصناعة المحلية أقل تنافسية، مما يكرس الاعتماد على الاستيراد.
ولعل هذا ما يفسر استمرار الحذر فى توجهات السياسة النقدية رغم تحسّن الأرقام نسبيًا. فالبنك المركزى يدرك أن التراجع الحالى فى التضخم لا يزال هشًا وقابلًا للارتداد إذا ما تعرّض الاقتصاد لصدمات جديدة فى أسعار الطاقة أو سعر الصرف أو سلاسل الإمداد. كما أن الاضطرابات الجيوسياسية فى المنطقة، خاصة ما يتعلق بممرات التجارة والطاقة، تزيد من احتمالات عودة الضغوط التضخمية المستوردة.
• • •
فى هذا السياق، تبدو توقعات أسعار الفائدة مرتبطة بمسار أكثر تحفّظًا مما كانت تتوقعه الأسواق قبل أشهر. فمعظم بيوت الخبرة الدولية باتت ترجح خفضًا تدريجيًا للفائدة خلال النصف الثانى من العام، لكن بوتيرة أبطأ من المتوقع، ربما فى حدود 200 إلى 400 نقطة أساس حتى نهاية العام المالى، بشرط استمرار استقرار سوق الصرف وعدم تصاعد الضغوط الخارجية. ويظل السيناريو الأقرب هو أن يفضّل البنك المركزى التحرك الحذر، خاصة مع استمرار الفائدة الحقيقية الموجبة باعتبارها إحدى أدوات الحفاظ على جاذبية الجنيه واحتواء الدولرة.
غير أن التحدى الأكبر لم يعد نقديًا فقط، بل ماليًا وهيكليًا بالأساس. فمشروع الموازنة العامة الجديد يكشف بوضوح اتساع عبء خدمة الدين، حيث تلتهم الفوائد جزءًا متزايدًا من الإنفاق العام، بما يضيّق الحيز المالى المتاح للإنفاق التنموى والاجتماعى. ويزداد الأمر تعقيدًا مع التراجع الحاد فى صافى الأصول الأجنبية لدى البنوك المصرية، الذى هبط بنهاية مارس 2026 إلى نحو 5.8 مليار دولار فقط، وهو أدنى مستوى فى تسعة أشهر، بعد أن كان قد بلغ ذروته عند نحو 14.5 مليار دولار فى يناير الماضى. ويعكس هذا التراجع السريع حجم الضغوط التى تعرض لها الجهاز المصرفى نتيجة تخارج جزء من الأموال الساخنة وتصاعد حالة عدم اليقين الإقليمى، إلى جانب ارتفاع الطلب المحلى على العملات الأجنبية فى ظل اضطرابات التجارة والطاقة عالميًا.
ورغم أن المؤشر ما زال فى المنطقة الموجبة، بما يعنى استمرار امتلاك البنوك أصولًا أجنبية تفوق التزاماتها الخارجية، فإن سرعة التراجع تحمل دلالات مهمة على هشاشة الاستقرار النقدى النسبى إذا ظل معتمدًا بدرجة كبيرة على التدفقات قصيرة الأجل. فالتجربة المصرية خلال الأعوام الأخيرة أثبتت أن التحسن السريع فى السيولة الدولارية قد يكون عرضة للتآكل بسرعة أكبر عند تغير اتجاهات المستثمرين عالميًا أو تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
ومن اللافت أن هذا التراجع فى صافى الأصول الأجنبية جاء متزامنًا مع تباطؤ نسبى فى معدلات التضخم، بما يضع البنك المركزى أمام معادلة شديدة الحساسية؛ إذ إن الإسراع بخفض أسعار الفائدة قد يمنح النشاط الاقتصادى والموازنة العامة قدرًا من التنفس عبر تقليل تكلفة التمويل، لكنه فى الوقت نفسه قد يضعف جاذبية أدوات الدين المحلية ويحفّز خروج جزء إضافى من التدفقات قصيرة الأجل، بما يعيد الضغوط إلى سوق الصرف والاحتياطيات الأجنبية. ومن ثم، يبدو أن السياسة النقدية فى المرحلة المقبلة ستظل أقرب إلى الحذر الانتقائى، مع تفضيل مسار تدريجى ومدروس لخفض الفائدة بدلًا من الدخول فى دورة تيسير نقدى واسعة وسريعة، مع استمرار الاعتماد بصورة غير مباشرة على الأوعية الادخارية مرتفعة العائد التى تطرحها المصارف الكبرى كأداة لامتصاص السيولة والحفاظ على جاذبية الادخار بالجنيه، دون الحاجة إلى رفع فعلى فى أسعار الفائدة الأساسية.
• • •
فى المقابل، فإن بعض المؤشرات الإيجابية لا يمكن تجاهلها أيضًا، ومنها تحسّن تدفقات السياحة (المهددة بفعل ارتفاع تكاليف الطيران)، واستمرار نمو تحويلات العاملين بالخارج تدريجيًا، وبدء ظهور آثار جزئية لتحرير سعر الصرف على بعض القطاعات التصديرية. كما أن المؤسسات الدولية ما زالت تتوقع نموًا اقتصاديًا إيجابيًا لمصر مقارنة بعدد من الاقتصادات الناشئة التى تواجه تباطؤًا أكثر حدة.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل يتحول هذا الاستقرار النسبى إلى استقرار مستدام؟ الإجابة تتوقف على قدرة الاقتصاد المصرى على الانتقال من مرحلة «إدارة الأزمة» إلى مرحلة «إعادة بناء الهيكل الإنتاجى». فخفض التضخم وحده لا يكفى إذا ظل النمو معتمدًا على التمويل قصير الأجل أو على القطاعات غير القابلة للتصدير. كما أن استقرار سعر الصرف لن يستمر طويلًا ما لم تتوسع قاعدة الإنتاج الصناعى والزراعى والخدمى القادر على توليد تدفقات مستقرة من النقد الأجنبى، وإلا سيعود المركزى إلى حرق الاحتياطى للحفاظ على أسعار صرف لا تعكس ديناميات الاقتصاد المصرى بشكل واقعى.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيج أكثر توازنًا بين الانضباط المالى، وتحفيز الاستثمار الإنتاجى، وتعميق التصنيع المحلى، مع حماية أكثر كفاءة للفئات المتوسطة والأقل دخلًا. فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط ضد التضخم، بل ضد هشاشة النمو ذاته، وضد اقتصاد أصبح أكثر حساسية للصدمات الخارجية وأقل قدرة على امتصاصها.
كاتب ومحلل اقتصادى