مستقبل مضيق هرمز وخريطة الطاقة العالمية - مدحت نافع - بوابة الشروق
الإثنين 4 مايو 2026 10:46 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

مستقبل مضيق هرمز وخريطة الطاقة العالمية

نشر فى : الإثنين 4 مايو 2026 - 8:10 م | آخر تحديث : الإثنين 4 مايو 2026 - 8:10 م

نعيش اليوم حالة كاشفة من تسييس الاقتصاد؛ حيث لم تعد أدوات الدفع والتجارة بمنأى عن الاستقطاب، كما تتسارع وتيرة عسكرة الممرّات البحرية والمضائق الحيوية، بالتوازى مع تراجع ملموس فى زخم العولمة، وانكفاء تدريجى عن الالتزام الصارم بقواعد التكتلات الإقليمية. ومع دخول الاقتصاد العالمى الربع الثانى من عام 2026، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائى يفصل بين ضفتى الخليج، بل غدًا مؤشرًا شديد الحساسية على استقرار النظام الاقتصادى الدولى، وصمام أمان تختزن فى جوفه كل تناقضات منظومة الطاقة العالمية.


هذا الشريان، الذى لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً، يختصر فى حدوده الضيقة شبكة معقدة من المصالح المتداخلة؛ حيث تتشابك اعتبارات الأمن العسكرى مع حسابات السوق، وتتقاطع قرارات الاستثمار مع رهانات الجغرافيا السياسية، على نحو يجعل أى اضطراب فيه قادرًا على إعادة رسم ملامح الاقتصاد العالمى فى لحظات، وكأن العالم بأسره يمر عبر تلك البوابة الضيقة.


لا تنبع أهمية مضيق هرمز من موقعه الجغرافى فحسب، بل من ثقله النوعى داخل بنية الطاقة العالمية، إذ تعبره يوميًا تدفقات تتراوح بين 20 و21 مليون برميل من النفط، بما يوازى نحو خُمس الاستهلاك العالمى من السوائل البترولية، ونحو 35% من تجارة النفط المحمولة بحرًا، وهى حصة لا يدانيها أى ممر ملاحى آخر. وبينما يمكن امتصاص صدمات إغلاق ممرات كقناة السويس أو مضيق ملقا عبر زيادة تكلفة النقل أو إطالة مسارات الشحن، فإن تعطّل هرمز يفضى إلى غياب فورى لكميات ضخمة من المعروض، دون بدائل جاهزة قادرة على تعويض هذا النقص فى الأجل القصير. وتزداد حدة هذه الأهمية عند النظر إلى سوق الغاز الطبيعى المسال، حيث يمر عبر المضيق أكثر من خُمس التجارة العالمية، وهو ما يضعه فى قلب معادلة التحوّل نحو طاقة أقل كثافة كربونية، ويمنحه دورًا حاسمًا لا يمكن تجاوزه فى تشكيل ملامح مستقبل الطاقة على مستوى العالم.


غير أن طبيعة المخاطر المرتبطة بالمضيق لم تعد تقليدية كما كانت فى الماضى القريب، إذ لم يعد التهديد مقتصرًا على احتمال فرض حصار بحرى مباشر، بل تطور إلى ما يُعرف بحروب «المنطقة الرمادية»؛ حيث تتنوع الأدوات وتتعدد الأساليب بين هجمات بطائرات مسيّرة دقيقة، وتشويش إلكترونى متطور على أنظمة الملاحة العالمية، وعمليات بحرية سريعة وغير تقليدية يصعب ردعها بالوسائل العسكرية التقليدية. تلك التحولات النوعية جعلت تكلفة التأمين على الشحنات ترتفع بشكل غير مسبوق، وأدخلت ما يمكن تسميته «علاوة مخاطر هرمز» فى معادلة تسعير الطاقة عالميًا، بحيث لا تعكس الأسعار فقط توازن العرض والطلب، بل أيضًا احتمالات الانقطاع المفاجئ، سواء بشكل كامل أو جزئى. ومن ثم، فإن المستهلك النهائى بات يدفع ضريبة غير مباشرة لهذا التوتر المتصاعد فى المنطقة، تظهر فى صورة ارتفاع فواتير الكهرباء، وتضخم تكاليف النقل والشحن، وحتى ارتفاع أسعار الغذاء عبر تأثيرها على صناعة الأسمدة (التى تعتمد بشكل أساسى على الغاز الطبيعى) وسلاسل الإمداد العالمية التى تعتمد بدورها على الطاقة الرخيصة والمستقرة.


• • •
فى مواجهة هذا الواقع المعقّد والمتغيّر، اتجهت دول الخليج إلى إعادة هندسة بنيتها التحتية بشكل جذرى يسمح بتنويع منافذ التصدير وتوزيع المخاطر. وقد برزت خطوط الأنابيب كأداة رئيسية فى هذا التحول الاستراتيجى؛ حيث وسعت السعودية من قدرات خط شرق ــ غرب (بترولاين) لنقل النفط إلى البحر الأحمر، كما عززت الإمارات بشكل كبير من دور خط حبشان ــ الفجيرة، الذى ينقل النفط مباشرة إلى خارج المضيق عبر ساحل خليج عمان. غير أن هذه الحلول، على أهميتها وضرورتها الملحة، تصطدم بقيود مادية لا يمكن تجاوزها بسهولة، إذ إن طاقتها الإجمالية لا تكفى إلا لتعويض ما يلامس 40% من طاقة المضيق، فيما يتعلّق بالنفط، ولا شىء على الإطلاق فيما يتعلّق بالغاز المسال!


وفى هذا السياق المزدحم بالتحديات، تبرز مصر كلاعب محورى فى معادلة تأمين الإمدادات العالمية، من خلال خط أنابيب سوميد الذى يربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، ليشكل حلقة مكمّلة وحيوية لمسار بديل يلتف حول مضيق هرمز بالكامل. هذا التكامل غير المسبوق بين البنية التحتية فى الخليج ومصر يخلق ما يمكن وصفه بـ«الهلال اللوجستى»، الذى يمتد من الخليج العربى إلى البحر المتوسط، مما يخفف من حدة الاختناق الراهن، لكنه لا يلغيه بالكامل، فى ظل الفجوة الكبيرة بين الطاقة الاستيعابية للخطوط البديلة وحجم التدفقات الفعلية الهائلة التى تمر يوميًا عبر مياه هرمز الضيقة.


وكما سبقت الإشارة، تتجلى المعضلة بشكل أكثر حدة فى سوق الغاز الطبيعى المسال، حيث لا توجد بدائل برية قادرة على نقل الكميات نفسها التى تُشحن بحرًا عبر ناقلات عملاقة، مما يجعل صادرات دول مثل قطر (والمتّجهة بنسبة 80% إلى دول شرق آسيا) مهددة بالكامل عند ارتباك المضيق. هذه الحقيقة تخلق ما يشبه «القفص الجيوسياسى»؛ حيث تصبح الإمدادات مقيدة جغرافيًا وسياسيًا، بما يهدد بشكل مباشر جهود التحول إلى الطاقة النظيفة، خاصة أن الغاز الطبيعى يُنظر إليه عالميًا كوقود انتقالى أساسى لأى مستقبل منخفض الكربون. وبالتالى، فإن أى اضطراب طويل الأمد فى مضيق هرمز لا يهدد فقط أمن الطاقة التقليدية فى اللحظة الراهنة، بل يعطل أيضًا مسار التحول الطاقوى برمته.


• • •
على مستوى التأثيرات الاقتصادية الكلية، يتضح أن التلاعب بأمن المضيق يمثّل معادلة صفرية لمختلف الأطراف. فإلى جانب تأثيره المباشر على توقّعات النمو الاقتصادى وتمرير الصدمات التضخّمية للجميع.. نجد أن الدول المنتجة، التى تعتمد موازناتها العمومية بالكامل تقريبًا على عائدات التصدير النفطى والغازى، ستواجه أزمات مالية حادة، بل وانهيارات اقتصادية محتملة فى حال تعطل حركة الملاحة. بينما تتعرض الدول المستهلكة، خاصة فى آسيا النامية والناشئة، لصدمات تضخّمية مدمرة تضرب استقرارها الصناعى والاجتماعى دون سابق إنذار. هذا التداخل المعقد يجعل من مضيق هرمز نقطة التقاء واقعية لهشاشة مالية خانقة لجانب العرض، وهشاشة تضخمية مزعجة لجانب الطلب.


وقد بدأ هذا الوضع الاستثنائى يدفع الاقتصاد العالمى ببطء نحو إعادة رسم خريطته الطاقوية بأكملها، حيث تتجه الاستثمارات الضخمة نحو مناطق إنتاج بديلة بعيدة عن المخاطر الجيوسياسية التقليدية، مثل حوض الأطلسى وغرب أفريقيا وبحر قزوين، كما تتسارع الجهود الدولية بشكل غير مسبوق نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتى فى الطاقة عبر التوسّع فى المصادر المتجددة والهيدروجين الأخضر والطاقة النووية من الجيل الجديد. ولم يعد هذا التحول الكبير مدفوعاً فقط بالاعتبارات البيئية التى كانت القوة الدافعة الوحيدة فى السابق، بل أصبح ضرورة استراتيجية ملحة لتقليل التعرّض لصدمات الإمداد القادمة من منطقة الخليج.


ورغم كل ما سبق من حلول هندسية بارعة واستثمارات ضخمة بمليارات الدولارات، يبقى العامل الحاسم لهذه المعادلة برمتها خارج نطاق البنية التحتية المادية، ويتمثل فى القدرة الحقيقية على بناء نظام إقليمى مستقر، يضمن حرية الملاحة والعبور للجميع دون تهديد أو ابتزاز. فالفجوة بين حجم التدفقات الهائلة التى تمر عبر المضيق والقدرات البديلة المتاحة تظل كبيرة وخطيرة، مما يعنى أن أى حل تقنى، مهما بلغت تكلفته وإبداعه، لن يكون كافيًا بمفرده لتعويض الإغلاق المفاجئ لهذا الممر الحيوى. ومن ثم، فإن الدبلوماسية متعددة الأطراف، رغم تعقيدها وبطء إيقاعها، تظل الخيار الأكثر واقعية وصدقا لضمان استقرار هذا الشريان الحيوى.


• • •
فى الختام، تجسد معضلة مضيق هرمز جوهر التحدى العميق الذى يواجه الاقتصاد العالمى فى مرحلته الراهنة المضطربة؛ حيث يتصاعد التوتر بين حتمية الاعتماد المتبادل ومتطلبات الأمن القومى، وبين كفاءة الأسواق العالمية واعتبارات السيادة الوطنية الآخذة فى التنامى عبر مختلف الدول. وإلى أن يتبلور هذا التوازن الدقيق، سيبقى العالم أجمع أسير إيقاع هذا الممر المائى الضيق، الذى لا يحمل فقط عبء تجارة الطاقة والسيولة النقدية، بل يرتبط به استقرار ونمو الاقتصاد الدولى، واستمرارية الحكومات، ورفاهية الشعوب، ومسار التحول الطاقى، بل وطموح الإنسانية نحو كوكب أكثر استدامة واستقرارًا.


كاتب ومحلل اقتصادى

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات