أمريكا الضاحكة.. أمريكا الغاضبة من الرابــــــح؟! - عادل سليمان - بوابة الشروق
الثلاثاء 5 مايو 2026 12:11 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

أمريكا الضاحكة.. أمريكا الغاضبة من الرابــــــح؟!

نشر فى : الإثنين 4 مايو 2026 - 8:15 م | آخر تحديث : الإثنين 4 مايو 2026 - 8:25 م

«أتعرفون ما الحرب؟! إنها أشلاء تملأ الساحات، ودماء ترتوى بها الأرض، إنها العمى والعرج والبتر. إنها الأرملة فقدت زوجها، والأم ثكلت وليدها، والأخت تبكى أخاها، والحبيبة تندب حبيبها، والشقاء والحزن يخيمان فى الطرقات. إنها المجاعة حين تخلو الحقول من حارثيها، والمصانع من صانعيها، والمخازن من خازنيها، والبيوت من عائليها. هم وحدهم الحكام الذين ستتوج هاماتهم بأكاليل المجد الزائف، ومعهم أغنياء الحرب هم الرابحون. أما البسطاء والضعفاء فهم وقود الحرب. مشعلو الحروب يملئون مسامعكم برنين أجوف عن الشجاعة والشرف والوطن، فيذهبون إلى مخادعهم ينعمون بوسائد من حرير، أما أنتم فقد تعودون أو لا تعودون، فالشجاعة والشرف والوطن يتحقق أمنهم بنشر السلام لا الإغراء إلى الهلاك، فطوبى لمحبى السلام " (1).


«إنها صيحة أخناتون وهو حاكم لأقوى دولة وأعظم حضارة. فى الوقت الذى كانت الأرض تجلل بصيحات الحرب، كان هو يبشر بأول نظريات السلام، فبدا أول فرعون أحب الإنسانية، وأول حاكم خلا قلبه من أثر للوحشية»(2). تلك كانت الحضارة الفرعونية القديمة، والتى كانت تدعو للسلام وتدعو للتعاون بين الشعوب، فذلك آثارها خالدة خلود الدهر، ومبادئها رنين ما زال يتردد صداه فى أرجاء الدنيا كلها.


الآن ماذا يقول حاكم أقوى دولة، وأحدث دولة، وأضخم ترسانة عسكرية؟!


فى عام 1944 بشر الصحفى الكبير «مصطفى أمين» بالجنة الموعودة والحلم الأمريكى فى كتابه «أمريكا الضاحكة»، وتحدث عن الرخاء والتقدم، والنموذج المبهر للحياة الأمريكية، ووصف الرجل الأمريكى بأنه خارق الذكاء، والمرأة الأمريكية فاتنة. وأفاض بالحديث عن الحرية والديمقراطية التى تتمتع بها أمريكا، ودعا المصريين إلى أن يستفيدوا من التجربة الأمريكية.


وبعد مرور 40 عامًا من صدور كتاب «أمريكا الضاحكة»، كتب أستاذ الفلسفة «فؤاد زكريا» كتابه «العرب والنموذج الأمريكى»، قدم فيه صورة مغايرة للنموذج الأمريكى، محذرًا من الانبهار بهذا النموذج. وكان رأيه أن أمريكا حقًا بلد يدعو إلى الانبهار، فهى أقوى دولة وأحدث دولة، ومن الطبيعى أن ننبهر بهذه الصورة البراقة للحياة الأمريكية، صورة أمريكا الفخمة الضخمة القادرة على كل شىء.


وهذا الانبهار يدفعنا إلى الاعتقاد أننا لو اتبعنا هذا النموذج الأمريكى فسينقلنا من الفقر إلى الغنى، ومن الضعف إلى القوة، وهذا الاعتقاد فى نظر الدكتور «فؤاد زكريا» وهم كبير؛ لأن النموذج الأمريكى ظاهرة فريدة شكلتها عوامل خاصة، لا يمكن أن تتوفر لبلد آخر. كما أن النموذج الأمريكى ليس مثاليًا كما يتصور البعض، بل يتضمن كثيرًا من العوامل السلبية من جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية، وأن الصورة الظاهرة وإن بدت مبهرة، إلا أنها فى الواقع مفرغة من المضامين، وإطارها الخارجى يختلف عن محتواها الداخلى.
والآن، بعد مرور 80 عامًا على كتاب «أمريكا الضاحكة»، ومرور 45 عامًا على كتاب «العرب والنموذج الأمريكى»، فما زال الجدل والحوار حول أمريكا ودورها فى المنطقة العربية من المسائل الخلافية، بين مؤيد ومعارض، بين منبهر ورافض، بين متحمس ومعادٍ.


ومن هنا يصبح الرجوع إلى بعض الحقائق التاريخية عن نشأة أمريكا، لكى نطل على هذا التاريخ الذى صنع أمريكا الضاحكة، وصنع أمريكا الغاضبة، والتى ينتظرها العالم أجمع فى تحركها نحو السلام أو نحو الحرب. العالم الذى ما زال يمشى بعين واحدة، تلك العين التى جفت منها الدموع، فلا تدمع على عذابات الإنسان، عين تحجرت بالقسوة، فلا نظرة رضا لمآسى الإنسان فى أرض الحروب أو أرض الجوع.


• • •
وبإيجاز شديد نسرد بعض الحقائق التاريخية لنشأة أمريكا فى عدة نقاط:


1- إن الكشوف الجغرافية الأوروبية قد أسفرت فى العقد الأخير من القرن 15، وبالتحديد عام 1492، عن اكتشاف الأمريكتين بيد عدة دول أوروبية «إنجلترا ــ فرنسا ــ إسبانيا ــ البرتغال»، وبدأت المنافسة الشديدة بين تلك الدول فى استعمار العالم الجديد حتى القرن 18.


2- شجعت الدول الأوروبية مواطنيها على الهجرة وبكثافة إلى العالم الجديد، وقد تم إبادة السكان الأصليين من الهنود الحمر، ثم استعباد الزنوج من إفريقيا واستغلالهم فى استثمار موارد هذا العالم الجديد.


3- مع حركة الهجرة الأوروبية الكثيفة، والتى زادت فى القرن 18، قام المستعمرون الجدد، بعد أن كثر عددهم وزادت شوكتهم، بالثورة ثم الحرب ضد دولهم الأم، وإعلان الاستقلال ضد الإنجليز فى عام 1783م.


4- خاضت الولايات المتحدة الأمريكية فى النصف الثانى من القرن 19 حربًا أهلية بين الشمال والجنوب استمرت لمدة 4 سنوات (1861 ــ 1865م) من أجل وحدتها، وخرجت من تلك الحرب أكثر قوة وتماسكًا. فى الوقت الذى انشطرت فيه أمريكا اللاتينية إلى عدة دول، ومن ثم تفاوتت موازين القوة بين الأمريكيتين، وذلك لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وفرضت هيمنتها على أمريكا الجنوبية بموجب مبدأ «مونرو» (1823م)، والذى أعطاها الحق دون سواها فى التدخل فى أمريكا اللاتينية، واعتبرت ذلك من صميم أمنها القومى (3).


5- إن الولايات المتحدة الأمريكية قد استفادت من عزلتها فى تعاظم قوتها العسكرية والاقتصادية، بحيث أصبحت مع بداية القرن الـ 20 قوة دولية عظمى.


6- استفادت أمريكا من ظروف الحربين العالميتين الأولى (1914 ــ 1918م)، و(1939 ــ 1945م)، فلم تصب أراضيها بأى أضرار خلال هذه الحروب، والتى كانت دافعًا قويًا لتنمية قدراتها المختلفة، بحيث أصبحت أمريكا منذ عام 1945م أقوى وأحدث وأغنى دولة على سطح الأرض.


7- وبعد نهاية الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفييتى، فرضت أمريكا هيمنتها على العالم، فقد استغلت المنظمات الدولية «الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات التابعة لهما» فى رسم معالم نظام دولى جديد يجعل من الكرة الأرضية وحدة كوكبية تحت سيطرة حكومة عالمية تتبوأ فيها الولايات المتحدة الأمريكية موقع الصدارة.


والآن تحاول أمريكا الانفراد بالعالم بواسطة حضارة جديدة تقوم على عناصر القوة الذهنية والتقدم العلمى الهائل فى علوم الفضاء والذكاء الاصطناعى، وامتلاك أسلحة أكثر ذكاءً وأكثر فتكًا، وذلك فى ثورة علمية هائلة لم يشهد العالم لها مثيل، تريد بها أمريكا تغيير وجه العالم وقيمه ونظمه وعلاقاته واقتصادياته ومعارفه ومعتقداته.


فهل تستطيع أن تحافظ على تلك الصدارة، أم هناك من يحاول اللحاق بها أو ربما تخطيها؟ وما العمل لنا لكى نضع قدمًا فى هذا القطار فائق السرعة؟
يقول السيد المسيح عليه السلام: «أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى مبغضيكم».
وجعل الله سبحانه وتعالى جوهر خير ليلة أنزل فيها القرآن الكريم ليلة سلام: «سلام هى حتى مطلع الفجر».
معد برامج بتليفزيون الصعيد


المصــادر:
(1) الأديب عادل كامل ــ (رواية ملك من شعاع)
(2) المؤرخ الأمريكي برستيد ــ (فجر الضمير)
(3) د. محمد أبو الإسعاد- عالم متطور جديد

عادل سليمان معد برامج بتلفزيون الصعيد
التعليقات