«على ربوة عالية بالبر الشرقى لنيل المنيا الساحر، يطل أجمل الأماكن وأروعها. وعلى بابها يكون فى استقبالك، وجه جميل مع ابتسامه ساحرة تلطف من شمس الصعيد الحارقة. ويحمل لك الحليب والعسل، مُرحبًا بك فى مدينة المدن. درة الصعيد وعروسه المنيا. فأنت حقًا فى أرض الحليب والعسل، بالمعنى الظاهر للكلمة، وأيضًا بمعنى الأمل فى حاضر زاهر، وغدٍ واعد. وعليه عزيزى القارئ الانتظار لنهاية جولة «المقال». والذى نطوف بك فى أرجاء المنيا، ونطل من أجمل نوافذها على المعنى والمبنى، على الخضرة والحجر، على الإنسان صانع الأمل. لتدرك حقًا أنك فى أرض الحليب والعسل.
• • •
ما الذى يجلب الحليب والعسل، وما هى مقومات أرض الحليب والعسل؟! عند الإجابة، يقفز إلى الذهن مباشرة الماء والأرض، وعوامل أخرى مساعدة. الماء والأرض، متوافران بغزارة فى المنيا. فالمنيا عرفت بأرض الماء، فالنهر العظيم يخترق المحافظة من الجنوب إلى الشمال. وهناك ثلاثة روافد كبرى أطلق عليها العامة أبناء النهر. وهم: (1) ترعة الإبراهيمية، وهى من أكبر الترع ليس فى مصر وحسب، ولكن فى العالم أجمع. تبلغ طولها 267 كيلو مترًا تبدأ من أسيوط جنوبًا وتنتهى ببنى سويف شمالًا وتم حفرها فى عهد الخديوى إسماعيل. وسميت باسم والده القائد إبراهيم باشا الابن الأكبر لمحمد على باشا. واستمر حفرها ست سنوات، حفرها الفلاحون فى صعيد مصر، بإشراف كبير مهندسى الرى بالوجه القبلى مصطفى باشا بهجت. (2) ترعة سرى باشا، والتى تشطر محافظة المنيا إلى نصفين تبدأ من مركز ديروط جنوبًا وتنتهى فى مركز مغاغة شمالًا بالمنيا. وقد أشرف عليها المهندس حسين سرى باشا وكان حفرها على عاتق العمال والفلاحين من صعيد مصر. (3) الابن الأكبر لنهر النيل والمعروف «ببحر يوسف» والذى يتجه غربًا ليصل لواحة الفيوم. والذى لا تجف منه المياه طوال العام حتى مع السدة الشتوية. وبحر يوسف يبدأ من قناطر ديروط جنوبًا ليصب فى بحيرة قارون بالفيوم. وله قصة تروى ولكن لا يتسع المجال لذكرها الآن. ثم هناك عشرات الترع الفرعية والتى قامت الدولة المصرية بعملية تبطين لها مما ساعد على وصول المياه لنهايات تلك الترع بسهولة ويسر. وقد أضفى التبطين على تلك الترع لمسة جمالية وحضارية، لا يعكر جمالها إلا بإلقاء المخلفات فى مجراها المائى. وذلك سلوك يتنافى مع الذوق العام.
• • •
أما عن الأرض فالمنيا تحوى أكبر مساحات الجمهورية من الأراضى الخصبة القديمة 600 ألف فدان تقريبًا. فالمنيا لها أكبر ظهير صحراوى، تتفجر من أرضه ينابيع من المياه العذبة، وقد بدأت زراعة تلك الأراضى على أيدى فلاحى المنيا وبعض محافظات الجنوب، ثم توالت كبرى الشركات القاهرية فى استصلاح مساحات كبيرة وزراعتها. وهو الكنز الحقيقى والمستدام للمنيا فهو مجال يحتاج إلى عمالة كثيفة ويستوعب آلاف الفرص للفلاحين فى المنيا وقد قامت الشركات بإنشاء مصانع لتجفيف العنب وبعض النباتات الطبية والفاكهة ومطاحن الغلال. فهناك فى قلب الصحراء وعلى جانب الطريق الصحراوى القاهرة المنيا يوجد أكبر مصانع لبنجر السكر أمام مدينة ملوى بالمنيا. ثم مصنع لبنجر السكر وقصب السكر فى مدينة أبوقرقاص. والمار على الطريق الصحراوى الغربى القاهرة المنيا يرى الخضرة على جانبى الطريق جنتان على يمين وشمال، يحفان بالطريق ويخترقان قلب الصحراء فى منظر طبيعى خلاب يبهج النفس ويسر العين. ثم جاءت الدولة بإنشاء عدة حارات ومحاور أضفت على جمال على جمال وخاصة محورى سمالوط وملوى والناظر من أعلى تلك المحاور يرى الخضرة والماء ورمال الصحراء والأفق الممتد الذى لا يقطعه شىء خاصة أنهما بعيدان عن الزحف العمرانى ومناظر الغروب لتلك المناطق تسوق سياحيًا.
• • •
المنيا الِأولى فى إنتاجية القمح وسكر البنجر على مستوى الجمهورية، والأولى فى إنتاجية عسل النحل وشمعه. بالإضافة إلى أكبر منطقة صناعية بالشرق الأوسط، وتبلغ مساحتها 1516 فدانا تضم مختلف الصناعات مصانع للأسمنت والأعلاف والحديد والصلب والمنسوجات وأجود أنواع الرخام والألبستر على مستوى مصر كلها بالإضافة لمصانع لتجفيف العنب والفاكهة بالبر الغربى لنهر النيل ثم نهضة تعليمية كبرى بأكبر عدد من المدارس الحكومية للتعليم الإلزامى ثم ثانى أقدم جامعة فى صعيد مصر بعد جامعة أسيوط ثم الجامعة الأهلية حديثة بالإضافة إلى جامعات ومعاهد خاصة أخرى.
• • •
السياحة والآثار:
المنيا ثانى محافظات الجمهورية من حيث الكم الأثرى بعد الأقصر، وأولى محافظات الجمهورية من حيث التنوع الأسرى، فى أرضها مرت كل الحضارات من فرعونية ورومانية ويونانية وقبطية وإسلامية، مما جعلها على الخريطة السياحية على مستوى العالم. فالأثر يعانق الخضرة والنهر فى لوحة جمالية رائعة الجمال بالمنيا.
المرأة رمز المنيا:
قديمًا عندما أرادت المنيا أن تتخذ شعارًا ورمزًا لها، أخذت تبحث فى السجلات وعلى نقش الحجر ورسمه. وفى وجوه أبنائها، وحار العقل ليس لانعدام المطلوب. ولكن حيرة المفاضلة فى الاختيار، لكثرة من يستحق لقب الرمز. فعليك أن تفاضل بين الأمراء الأقوياء للدولة الفرعونية الوسطى، والذين شيدوا المعابد والمقابر على الضفة الشرقية لنهر النيل بألوانها ونقوشها الرائعة، فى منطقة بنى حسن الشروق. والتى ليس لها مثيل فى مصر كلها، وهى خير تمثيل لحضارة الدولة الوسطى الفرعونية. والتى لها الحق من «أثينا» فى شعلة الألعاب الأولمبية. وذلك بالسبق التاريخى والتفرد الرياضى. فعلى جدران مقابرها نقش فنان مصر القديم مختلف الألعاب الرياضية المعروفة اليوم، وصورها بأحسن صورها. كل حركة رياضية نقشت هو شعار فى حد ذاته. ثم نأتى لحضارة تأخذ القلب والعين معًا، حضارة المبادئ الإنسانية السامية، حضارة نفرتيتى وأخناتون فى مدينة «الأفق»، وهما يستحقان شعارا ورمزا للإنسانية بأجمل ما فيها. ثم يأخذك الحنين وتناديك الأشواق لاختيار شهيدة الحب والغرام «إيزادورا» وجسدها المسجى فى تونا الجبل إلى الغرب من مدينة المنيا وهو شعار للحب فى حد ذاته وقصة «إيزادورا» لو حدثت فى بلاد بعيدة لكانت حديثًا يروى فى المساء والصباح.
ثم نأتى للفترة القبطية ورحلة العائلة المقدسة فى جبل الطير على الضفة الشرقية لنهر النيل. حيث كنيسة ودير العذراء وهو رمز دينى كبير تنال منه البركة والمحبة ثم نأتى للفترة الإسلامية والمتمثلة بأرض الشهداء بالبهنسا؛ حيث المعركة الفاصلة مع جيش الرومان والتى استشهد على أرضها عدد ممن شهدوا بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو رمز دينى كبير. ويحار العقل فى الاختيار حتى يداهمه رواد العصر الحديث من هدى باشا شعراوى رائدة المرأة وهو رمز خالد فى ثورة 19. ثم على باشا والشيخ القياتى رفقاء سعد باشا زغلول. ثم رواد التنوير مصطفى باشا وعلى عبدالرازق. ثم يتوقف العقل طويلًا أمام هذا الرمز إنه عميد الاستنارة طه حسين وشعاره الخالد التعليم كالماء والهواء. والعميد كفيل أن تحمل شخصيته وأفكاره شعارًا لدول عظمى وليست لمدينة المنيا.
• • •
وفى النهاية استقر الوجدان فى المنيا وبعد حيرة على محبوبة الشعب، بنت الشعب الملكة الجميلة «نفرتيتى» صاحبة الحرية لكل الشعب. فولى وجهك حيث شئت فى المنيا ترى نفرتيتى على الشوارع والمفارق وعلى المدارس والمصانع. والمثير للدهشة والإعجاب أن تتخذ مدينة فى صعيد مصر المسكون بقوة الرجل وخشونته عن حنان المرأة وجمالها. أن تتخذ رمز المرأة شعارًا لها، وهذا دليلًا على رقى تلك المدينة وجمالها. وفى النهاية المنيا بمقوماتها وتراثها الحضارى الخالد ونهضتها التعليمية والزراعية والصناعية بها مقومات دولة وليست مدينة.
فهى حقًا أرض الحليب والعسل.
ملحوظة: فى يوم 18/3 وفى خضم ثورة 19 قامت المقاومة الشعبية بديرمواس بالمنيا بالاستيلاء على قطار الجنود الإنجليز وقتل قائدهم جلوب المتجه لجنوب الصعيد لإخماد الثورة فتم اتخاذه عيدًا وطنيًا للمنيا.
صحفى، ومعد برامج بتليفزيون الصعيد