تهافت المنتصرين فى الحرب الإيرانية - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الخميس 9 أبريل 2026 8:20 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

تهافت المنتصرين فى الحرب الإيرانية

نشر فى : الإثنين 6 أبريل 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الإثنين 6 أبريل 2026 - 6:50 م

جرى العرف الدولى ألا يتم إعلان النصر النهائى فى الحروب قبل أن تضع أوزارها. ورغم طفرة التحديث المذهلة فى القدرات العسكرية والإمكانات التكنولوجية، تزامنًا مع عسكرة الذكاء الاصطناعى، اقتضى التطور فى بنية وطبيعة الحروب الحديثة أن يُعد الانتصار العسكرى، الذى يمكن وصفه بالحاسم أو الكامل أو المطلق، أمرًا بعيد المنال، أو شيئًا من الماضى.
يوقن المفكر البروسى الأشهر، كلاوزفيتز، أن النصر فى «الحروب المتماثلة» أو المتكافئة لا يتأتى إلا من خلال بلوغ الغايات السياسية التى من أجلها تم إعلان تلك الحروب. أما فى «الحروب اللامتماثلة»، التى تنشب بين أطراف غير متكافئة فى القوة والإمكانات، فلا يكمن النصر فى هزيمة العدو المتفوق عسكريًا بقدر ما يتجلى فى إرهاقه، واستنزاف إرادته السياسية، وتحويل الحرب إلى عبء استراتيجى مستدام على كاهله. فهناك يستخدم الطرف الأضعف أدوات غير تقليدية لتعويض الفارق فى ميزان القوة العسكرية، مثل: الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية، وحروب العصابات، ونصب الأكمنة، والضغط النفسى والإعلامى. ومن ثم، يتأتى النصر، من وجهة نظر الطرف الأضعف، حينما يتمكن من تعديل سلوك خصمه الأقوى، أو منعه من تحقيق أهدافه، حتى وإن حسم المعركة ميدانيًا لصالحه.
انطلاقًا من دوافع دعائية وسياسية، لا يتورع الإسرائيليون والأمريكيون، خلال حروبهما ضد إيران، والتى لم يتضح أفق زمنى لنهايتها بعد، عن استباق تلك النهاية عبر التبكير بادعاء الانتصار فيها. حيث يعكفون على تصوير النجاح العسكرى العملياتى بوصفه انتصارًا مطلقًا أو كاملًا، متأملين توظيف تلك السردية سياسيًا على المستوى الداخلى. فى المقابل، تتفنن طهران فى استثمار عجز الأمريكيين والإسرائيليين عن تحويل الإنجاز العسكرى التكتيكى إلى انتصار استراتيجى، بينما تتآكل قيمة ذلك الإنجاز بمرور الوقت إن لم تتم ترجمته إلى مكاسب سياسية. فإبان حرب فيتنام (1965 ــ 1973)، لم تخسر الولايات المتحدة أية معركة عسكرية، لكنها خسرت الحرب من الناحية السياسية.
قبل نهاية الشهر الماضى، أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكى يركز بشكل دقيق على أمر واحد، هو تحقيق نصر كامل وشامل فى الحرب على إيران. وقد كان ترامب فى البداية ينشد هدفًا غير واقعى عمليًا، ألا وهو إعلان إيران الاستسلام غير المشروط. لكن بعدما تبين له استحالة تحقيق هكذا هدف، بدأ يصبو إلى تجنب التورط فى حرب لا نهائية، ومن ثم أعاد تكييف مفهوم النصر فى تلك الحرب. وبدأ يتخلى عن الأهداف المستعصية، والاستعاضة عنها بمآرب أكثر قابلية للإدراك.
وخلال خطاب ألقاه فجر الخميس الماضى، أكد أن الولايات المتحدة حققت انتصارات سريعة، حاسمة وساحقة، خلال الأسابيع الأربعة المنقضية من العمليات العسكرية ضد إيران، مضيفًا: «نحن ننتصر أكثر من أى وقت مضى».
أعاد خطاب ترمب إلى الأذهان هاجس «الحروب ذات النهايات المفتوحة». فرغم إعلانه أن المهمة «تقترب من نهايتها»، تجاهل الإشارة إلى المفاوضات، رافضًا التلويح بجدول زمنى أو خارطة طريق واضحة للخروج. ففى تحول مفاجئ عن مطالبه الملحة بضرورة أن تسلم إيران مخزونها من اليورانيوم المخصب، أعلن أنه لم يعد يهتم بهذه المادة، لأنها «تقبع فى أعماق الأرض، ويمكن للأقمار الصناعية الأمريكية مراقبة المنطقة». وبينما هدد ترامب بشن غارات جوية جديدة إذا حاولت إيران نقل ذلك المخزون، تجنب الحديث عن إرسال قوات خاصة فى مهمة محفوفة بالمخاطر للسيطرة عليه.
وبخصوص مضيق هرمز، الذى تتمسك إيران بمساعيها للتحكم فيه، كرر الرئيس الأمريكى دعوات الدول التى تعتمد على نفط الخليج بشكل أساسى إلى تحمل عبء إعادة فتح الممر المائى وتأمينه، بدلًا من المراهنة على تدخل واشنطن، التى لم تعد تحتاج إلى إمدادات الطاقة من المنطقة. وفيما يتصل بمقصد تغيير النظام الإيرانى، قال ترامب إن الحرب حققت تغييرًا جوهريًا فى بنيته، واصفًا القادة الحاليين بأنهم عقلانيون للغاية.
لم يبتعد خطاب ترامب كثيرًا عن خطابات نيكسون إبان حرب فيتنام، أو بوش الابن أثناء حرب العراق، أو أوباما فى حرب أفغانستان. فجميعهم وعدوا بإنهاء تلك الحروب، لكنهم تركوا نهاياتها مفتوحة. فرغم أحاديثهم الرنانة عن «انتهاء المهمة»، غابت القدرة العملية على إنهاء الصراعات بشكل نهائى وحاسم، بما يخلف فراغات سياسية واقتصادية وأمنية دامت عقودًا. وقد تجلى هذا الأمر فى حروب عديدة من فيتنام إلى أفغانستان، العراق، ليبيا، سوريا، وصولًا إلى إيران اليوم، حيث تكررت النهايات الأمريكية المفتوحة بكل ما تنطوى عليه من حروب ممتدة وطويلة الأمد بلا أهداف استراتيجية واضحة، مع تكاليف باهظة بشريًا وماليًا، فى ظل غياب استراتيجية متكاملة للخروج وانسحابات بغير حسم. ومن ثم، تُركت البلاد التى تم التدخل فيها تواجه مصيرًا مجهولًا، على وقع الاضطرابات والأزمات التى ظلت تتفاقم عبر الأجيال.
يفتأ الرئيس الأمريكى يراهن على الترويج لانتصاره العسكرى المزعوم فى حرب إيران بغية استنقاذ شعبيته المتداعية وتحسين الموقف التنافسى القلق لحزبه الجمهورى قبيل انتخابات الكونجرس النصفية المزمع إجراؤها فى نوفمبر المقبل. غير أن تهديدات ترامب بإعادة إيران إلى العصر الحجرى عبر الإجهاز على بنيتها التحتية، ومن قبلها حديثه بشأن توجيه ضربات لإيران بغرض التسلية، تزامنًا مع تأكيد وزير الحرب الأمريكى بيت هيجسيث أن بلاده لا تقاتل وفقًا لقواعد الاشتباك الغبية، تثير فى مجملها مخاوف خبراء أمريكيين من انزلاق الولايات المتحدة إلى ارتكاب انتهاكات للقانون الدولى لحقوق الإنسان والقانون الدولى الإنسانى، بما ينطوى على شبهات بارتكاب جرائم حرب إبان عملياتها العسكرية فى إيران.
لا تتعامل السلطة الحالية فى طهران مع الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية بوصفها معركة عسكرية خاطفة يمكن حسمها عبر التفوق الجوى أو من خلال استهداف البنية التحتية العسكرية بقدر ما تراها اختبارًا للإرادة السياسية والتحمل الاستراتيجى. وفى مثل هذا النوع من الحروب، لا يكمن معيار الفوز فى تدمير قدرات الخصم أو السيطرة على الأرض فقط، وإنما فى القدرة على الاستمرار لفترة أطول من خصم يبدو أقل استعدادًا لتحمل حرب طويلة ومكلفة. لذا، تتبنى إيران استراتيجية التصعيد الأفقى، بمعنى توسيع دائرة الصراع جغرافيًا واقتصاديًا وسياسيًا بدلًا من تكثيفه عموديًا داخل ساحة قتال واحدة، لرفع كلفته على واشنطن وحلفائها، عبر ما يسميه الخبراء الاستراتيجيون «مضاعفة الانكشاف». فبدلًا من حصر الرد فى إسرائيل وحدها، استهدفت إيران مواقع فى تسع دول أخرى.
ومن خلال توسيع ساحة المواجهة وإطالة أمد الحرب، تسعى طهران إلى تحويل المعركة العسكرية إلى منازلة للصمود السياسى. ولما كانت النخبة الحاكمة فى إيران تعتقد أن النصر فى الحروب الراهنة يكمن فى صمود البلاد وبقاء نظام الحكم، لم يتورع المرشد الجديد فى رسالته للشعب الإيرانى بمناسبة عيد رأس السنة الفارسية عن إعلان النصر فى الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، استنادًا إلى الوحدة التى نشأت بين الإيرانيين برغم التنوع فى الخلفيات الدينية والفكرية والثقافية والسياسية. وأكد مجتبى خامنئى أن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا تعتقدان أنه إذا قُتل المرشد وعدد من قيادات الصف الأول، فسيتسلل الخوف واليأس إلى نفوس الإيرانيين، بما يخولهما تحقيق حلم السيطرة على إيران توطئة لتقسيمها، وشدد على أن وحدة الإيرانيين، التى اعتبرها «نعمة إلهية كبرى»، وجهت ضربة قاصمة للعدو.
مواصلة لسرديته عن «النصر المطلق» فى غزة ولبنان، لم يتورع نتنياهو عقب الهجوم الإسرائيلى ــ الأمريكى الأول على إيران فى يونيو الماضى عن إعلان تحقيق «نصر تاريخى سيبقى لأجيال»، وذلك إثر ضربات قوية منسقة أعادت برنامجى إيران النووى والصاروخى سنوات إلى الوراء. واليوم، يتباهى بنجاح الضربات الإسرائيلية ــ الأمريكية الموجعة ضد طهران ووكلائها فى المنطقة، فى تجريدها من أية قدرة على تشكيل خطر وجودى على إسرائيل.
وبموازاة ذلك، يدفع نتنياهو نحو مواصلة حربه على إيران، استنادًا إلى أن أى إنهاء مبكر للعمليات قد يمنحها «انتصارًا فعليًا». ويبقى التصور الإسرائيلى للانتصار المطلق على إيران منصبًا فى حرمانها من أية جهوزية للاعتماد على وكلائها، أو حتى دعمهم، علاوة على إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بمقدرات إيران العسكرية والاقتصادية، وإعاقة مساعيها لإعادة بنائها فى زمن قياسى.
شأنه شأن حليفه ترامب، يأبى نتنياهو إلا استثمار مغامراته العسكرية الخارجية لتعزيز موقفه السياسى الداخلى. فعقب حرب الإثنى عشر يومًا، حاول توظيف إغوائه ترامب بالمشاركة فيها لوقف نزيف شعبيته. واليوم، يتفنن نتنياهو فى استثمار إنجازاته العسكرية إبان حرب إيران الثانية لانتزاع عفو رئاسى لوقف محاكمته، التى بدأت عام 2020 إثر إدانته فى قضايا فساد.

التعليقات