«ترامب».. كيف تصنع السينما أسطورة رجل لا يشبه إلا نفسه؟ - خالد محمود - بوابة الشروق
الإثنين 6 أبريل 2026 10:06 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

«ترامب».. كيف تصنع السينما أسطورة رجل لا يشبه إلا نفسه؟

نشر فى : الإثنين 6 أبريل 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : الإثنين 6 أبريل 2026 - 6:45 م

منذ صعود دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسى، لم يعد مجرد رئيس للولايات المتحدة، بل تحول إلى «شخصية درامية» كاملة الأركان، تجمع بين الأداء الاستعراضى والحضور الطاغى، تكاد تنافس أبطال السينما فى غرابتها وتناقضاتها، وقدرتها على إثارة الجدل.
لذلك، فإن تخيّل فيلم سينمائى عنه ليس رفاهية فنية، بل احتمال قائم ينتظر المعالجة الذكية.
والحقيقة أن أى محاولة سينمائية لتقديمه لن تكون مجرد سيرة ذاتية تقليدية، بل مشروع فنى معقد يطرح سؤالا أوسع: كيف يمكن للسينما أن تشتبك فنيًا مع شخصية لا تعترف بالقوالب؟
السينما، حين تقترب من شخصية مثل ترامب، لن تختار طريقًا واحدًا. فهناك أكثر من معالجة محتملة: إما دراما سياسية واقعية ترصد صعوده من رجل أعمال إلى رئيس أكبر دولة، مع التركيز على الكواليس، الصفقات، والصراعات داخل مؤسسات الحكم. لكن هذا الخيار ــ رغم وجاهته ــ قد يبدو قاصرًا أمام طبيعة الشخصية نفسها، وإما فيلم سيرة ذاتية (Biopic) يقدم ترامب كشخصية مركبة بين الطموح الجامح، الثقة المفرطة، والإصرار على كسر القواعد.
أو ربما كوميديا سوداء تلتقط مفارقات الخطاب وهو الاحتمال الأكثر إغراء؛ حيث تتحول تصريحاته ومواقفه إلى مادة ساخرة تكشف عبثية السياسة الحديثة.
أو حتى فيلم ديستوبى، يذهب إلى أبعد من الواقع، متخيلًا عالمًا يتشكل وفق منطقه الخاص ويستشرف أثر الظاهرة على المستقبل.
هذه التعددية فى الرؤى تعكس حقيقة أن ترامب نفسه «نص مفتوح» يمكن قراءته بأكثر من زاوية.
لا يمنح الفيلم فقط طابعًا حداثيًا، بل يوازى الطريقة التى تشكلت بها صورة ترامب فى الوعى العام: خليط من الحقيقة والشو المسرحى.
التحدى الأكبر أمام أى سيناريست هو: هل يُقدم ترامب كبطل، أم كـ«Anti-hero» «بطل مضاد»؟
فى المعالجة الأكثر نضجًا، لن يكون هذا أو ذاك بشكل مطلق، بل سيظهر كشخصية تحمل عناصر القوة والضعف معًا.. رجل يعرف كيف يخاطب الجماهير، لكنه أيضًا أسير لصورته.. صانع أحداث، لكنه فى الوقت ذاته نتاج لها.
هذه الازدواجية تمنح الفيلم عمقه الحقيقى، وتجنبه الوقوع فى فخ الدعاية أو التشويه المباشر.
قد يبدأ الفيلم بمشهد صاخب: حشد جماهيرى، أضواء، خطاب نارى.. ثم يعود بالزمن إلى الوراء، كاشفًا كيف تشكلت هذه الشخصية.
يتتبع السرد: عالم المال والأعمال، وصعوده الإعلامى كشخصية استعراضية، وحملته الانتخابية غير التقليدية، وصوله إلى السلطة، ثم لحظات التوتر والانقسام.
لكن الذروة لن تكون فى الوصول، بل فى اللحظة التى يبدأ فيها كل شىء بالاهتزاز.
كيف يمكن أن تنتهى القصة؟
النهاية هى العنصر الأكثر حساسية، لأنها تحدد موقف الفيلم بالكامل، وهناك أكثر من احتمال ذكى.
أولا: نهاية مفتوحة؛ حيث ينتهى الفيلم بمشهد لترامب أمام حشد جديد، أو شاشة إعلامية، دون حسم.. هل انتهت قصته أم بدأت من جديد؟ هذه النهاية تعكس حقيقة أن تأثيره لم ينتهِ بعد.
ثانيا: نهاية تأملية، يظهر ترامب وحيدًا، بعيدًا عن الأضواء، فى لحظة إنسانية نادرة.
هنا يتحول من ظاهرة سياسية إلى إنسان يواجه إرثه.
ثالثًا: نهاية ساخرة، لتنتهى الأحداث بمشهد يبدو فيه أنه «خسر»، لكن الكاميرا تكشف أنه لا يزال حاضرًا فى الإعلام، فى الجدل وكأنه لم يغادر المسرح أبدًا.
رابعًا: نهاية ديستوبية تصور عالمًا تأثر بشكل دائم بأفكاره؛ حيث يصبح «الترامبية» حالة مستمرة، تتجاوز الشخص نفسه.
فى جوهره، لن يكون الفيلم الحقيقى عن دونالد ترامب كشخص فقط، بل عن الزمن الذى سمح بظهوره، والعصر الذى صنعه وعن عالم تتداخل فيه السياسة بالإعلام، والواقع بالاستعراض.. وتقاس فيه القوة بمدى الحضور لا بالقرارات فقط.
فالسينما، حين تقترب من شخصية كهذه، لا تكتب سيرة رجل، بل تكتب سيرة مرحلة كاملة.. مرحلة لا تزال فصولها تُكتب حتى الآن.
وتطرح سؤالًا مفتوحًا: هل كان ترامب استثناءً.. أم مجرد بداية؟

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات