عودة إلى لقاء فى طنجة المغربية مع المفكر الفرنسى إدغار موران (2 من 2) - إبراهيم العريس - بوابة الشروق
الجمعة 12 يونيو 2026 12:49 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

عودة إلى لقاء فى طنجة المغربية مع المفكر الفرنسى إدغار موران (2 من 2)

نشر فى : الخميس 11 يونيو 2026 - 8:20 م | آخر تحديث : الخميس 11 يونيو 2026 - 8:20 م

فى الحلقة الأولى من هذا البورتريه، توقّفنا عند اللقاءات الطويلة التى جمعتنى بإدغار موران فى طنجة المغربية، وعند الأحاديث التى دارت بيننا حول السينما والنجوم وكتابه الشهير «النجوم»، وصولا إلى ذلك الحوار الودّى الذى دار بيننا حول الترجمة العربية للكتاب وما أضفته إليها من فصول جديدة. غير أن شخصية موران، كما عرفتها خلال تلك الأيام العشرة، كانت أوسع بكثير من أن تُختزل فى اهتمامه بالسينما أو فى كتاب واحد من كتبه. فالرجل الذى كان يومها يقترب من عامه التسعين، ظل حتى سنواته الأخيرة واحدا من أبرز الوجوه الفكرية فى فرنسا والعالم، مفكرا وإنسانا ومناضلا لا يفصل بين المعرفة والموقف. ومن هنا، يبدو من المناسب أن ننتقل من الحديث عن السينما التى كانت مدخل تعارفنا وتقاربنا، إلى بعض الجوانب الأخرى من مسيرته الفكرية والإنسانية التى جعلت منه واحدا من أهم مفكرى عصرنا.


فيما كان يحمل إدغار موران فى طنجة، فى ذلك الحين، بخفة مدهشة، أعوامه المتجاوزة التسعين – أواخر العام 2020 احتفلت الحياة الثقافية الفرنسية بمئويته فى حضوره. كان يبدو متحملا هذا العبء الزمنى من دون مشقة كبيرة. وهو إذ كان يحضر لأسبوعين فى المغرب، لم يكن يخفى سروره بالمناسبتين العربيتين اللتين «يعيشهما»، حيث كان، من ناحية، يرأس لجنة التحكيم الخاصة بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة فى مهرجان طنجة للفيلم المغربى، محاطا بعدد من النقاد والكتاب والفنانين المغاربة والأجانب، ومن ناحية ثانية ينتظر بـ«شوق»، كما يقول، صدور الترجمة العربية لواحد من أشهر كتبه، «النجوم»، الذى كان صدر للمرة الأولى فى أواخر خمسينيات القرن العشرين، ليُعتبر رائدا فى مجال دراسة علاقة متفرجى الفن السابع بنجوم هذا الفن بصفتهم «أساطير الأزمان الجديدة».


يُعتبر إدغار موران اليوم واحدا من كبار المفكرين الفرنسيين، وربما أحد الأخيرين بين أبناء الجيل الذى صنع للفكر الفرنسى مكانته خلال العقود الأخيرة. ولئن كان يبرز حين التقينا به، فى المناسبتين العربيتين اللتين نشير إليهما، بصفته معنيا بالسينما – فى وجه خاص – فإنه من المعروف أن الفن السابع لا يشكل سوى جزء يسير من اهتماماته الفكرية التى تشمل قضايا الإعلام والفلسفة والبيئة وعلم الاجتماع، وصولا إلى السياسة التى يخوضها من منطلق فكرى وإنسانى، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية. وفى هذا المجال لا يمكن إلا أن نذكر هنا الكثير من البيانات والمواقف التى عبّر فيها عن موقف شديد التأييد للفلسطينيين فى «أن تكون لهم دولتهم وكيانهم»، وأن «يتوقف الظلم الواقع عليهم».


وفى هذا الإطار، شكّل مرجعا دائما وأساسيا مقالٌ مشترك كتبه ووقّعه قبل سنوات مع المفكر الجزائرى الفرنسى سامى ناير. وهو مقال أثار فى حينه حفيظة كثير من الكتّاب والمفكرين اليمينيين الإسرائيليين وزملائهم من الصهاينة الفرنسيين، الذين «أدهشهم» يومها ذلك الموقف «المعادى لإسرائيل» الصادر عن كاتب يهودى الأصل. يومها، وأمام ذلك الهجوم المتعدد الذى شُنّ عليه، اكتفى موران بالابتسام قائلا: «ولكننى بوذى منذ زمن طويل ولم أعد يهوديا!».


خلال مساره العلمى والفكرى الطويل – أكثر من ثلثى قرن من الزمن حتى الآن – وضع إدغار موران نحو خمسين كتابا فى مختلف أنواع الفكر... ومعظم هذه الكتب جاء تحت ظل فكرة «المنهج» التى لا تبارح وجدانه وفكره. وهى فكرة ترتبط لديه بعلم الاجتماع، لكنه يتجوّل بها فى كل ما يكتب ويفكر، حيث إنه يعتبر نفسه مفكرا تحليليا منهجيا وعقلانيا أولا وأخيرا. وفى المجال الذى يعنينا هنا، أى مجال السينما، نجد المنهج نفسه يسود فى كتابيه الأساسيين اللذين كرّسهما للفن السابع: كتاب «النجوم» الذى أشرنا إليه، والذى أتيح لقراء العربية قراءته فى لغة الضاد فى طبعتين حتى الآن... ثم، وفى شكل خاص، كتاب «السينما أو الإنسان المتخيّل»، الذى كان مساهمته الأولى فى فرع من الفلسفة بات يُعرف الآن بفلسفة السينما... والحال أن موران – وحتى قبل أن تصبح فلسفة السينما، أو فلسفة الفيلم كما يفضّل الأنجلوساكسون الذين صاروا خلال الربع الأخير من القرن العشرين سادة فى هذا المجال الدراسى – علما معترفا به، كان من أوائل الذين ساهموا فى رفع مستوى دراسة الفيلم، فكريا واجتماعيا، إلى أعلى مستوى من مستويات العلوم الإنسانية، باحثا عما هو خلف الصورة – فى «السينما أو الإنسان المتخيّل» – وعما هو خلف النجوم وأسطرتهم من جانب المعجبين – فى «النجوم»، الذى صدر فى العربية بعنوان «نجوم السينما» كى لا يخلط القراء بين موضوع دراسته، الذى هو نجوم السينما، وعلوم الفلك والتنجيم!
غير أن إسهامات إدغار موران السينمائية لا تتوقف عند هذا الحد. فهذا المفكر المتعدد الاهتمامات، والذى افتتح النشاطات العملية لمهرجان طنجة المذكور بمحاضرة عنوانها «فى السينما»، شارك المخرج الفرنسى التسجيلى الراحل جان روش، فى عام 1961، فى تحقيق الفيلم الشهير «مدوّنات صيف»، الذى فاز العام نفسه بجائزة النقاد الكبرى فى مهرجان «كان». كما أن فى مساره الإبداعى مساهمات وظهورا فى نصف دزينة أخرى من أفلام سينمائية وتليفزيونية، بعضها فكرى، فيما يتناول بعضها الآخر مساره الحياتى الذى بدأ عام 1921 حين وُلد فى سالونيك اليونانية، فى أواخر العهد العثمانى، تحت اسم ناعوم، لأب يهودى شرقى، سيضع عنه الابن واحدا من أجمل كتبه بعد ذلك بأكثر من سبعين سنة.


ولاختتام هذا التركيز هنا على اهتمام موران بالسينما بين اهتماماته المتنوعة، من فكرية أو فلسفية أو فنية، ناهيك بشغفه بإصدار الكتب التى استمتعت بواحد من آخرها أرسله إلىّ قبل سنوات مع صديق مشترك، يرسم فيه بورتريهات قلمية لمن اعتبرهم أساتذته وفلاسفته، لاختتام هذا التركيز قد تحمل الحكاية التالية لى معه دلالة بالغة الأهمية، وربما تتعلق خاصة بنزاهته العلمية. ففيما كنا معا فى لجنة التحكيم، فى ذلك المهرجان المغربى الذى يبدو اليوم بعيدا جدا فى الزمن، اتصل بى صديقنا المشترك رئيس المهرجان، الناقد الكبير الراحل لاحقا نور الدين صايل، ليطلب منى، بشىء من التردد، أن أسأل إدغار بصدد موضوع لا يريد هو أن يفاتحه به، ويتعلق بحرب يشنها المتطرفون ضد مخرج مغربى من المشاركين فى مسابقة المهرجان. وكان الصديق نور الدين صايل يريد منى إقناع موران، كرئيس لجنة ومفكر كبير يمكن لمبادرة من جانبه أن تحدث فرقا فى تلك «الحرب»، بإعطاء جائزة ما للفيلم، «نكاية بالمتطرفين لا أكثر». على الفور يومها، وبتردد منى أنا الآخر، فاتحت المفكر الكبير بالطلب، فابتسم وقال: «حسنا يا صديقى… لنرَ الفيلم أولا!».


فى اليوم التالى شاهدنا الفيلم معا، وعند خروجنا من الصالة نظرت إليه متسائلا، دون أن يبدو لدى أى حماس للفيلم، لكنى كنت أعوّل على رأيه على أية حال. فابتسم وسألنى: «ما مهنتى يا عزيزى؟». دهشت لسؤاله وقلت له: «أنت أصلا عالم اجتماع». فعرضت ابتسامته وتابع: «إذا فأنت ونور الدين تريدان منى أن أعطى جائزة لفيلم يدور موضوعه الأساسى حول موظفة فى مؤسسة تريد إرضاء مديرها، الذى هو حبيبها، باقتراح خطة لدعم المؤسسة تقوم على صرف 30 بالمائة من العمال والموظفين من عملهم؟. كسينمائى يمكننى أن أمررها، ولكن كعالم اجتماع مستحيل. والخيار لكما بالنسبة إلى إحدى الحالتين». وطبعا كانت النتيجة أن الفيلم خرج من دون جائزة، وشعرنا، نور الدين صايل وأنا، بالخجل الشديد لمجرد أننا طرحنا الأمر على إدغار موران على ذلك النحو، وكأننا نسوى أمورا بين رفاق سينمائيين، ناسين أنه أيضا عالم اجتماع كبير ومناضل حقيقى حتى فى «مهنته» تلك.

إبراهيم العريس إبراهيم العريس
التعليقات