كثيرون حول الديون.. قليلون حول أسبابها! - مدحت نافع - بوابة الشروق
الثلاثاء 14 أبريل 2026 7:44 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

كثيرون حول الديون.. قليلون حول أسبابها!

نشر فى : الإثنين 13 أبريل 2026 - 6:25 م | آخر تحديث : الإثنين 13 أبريل 2026 - 6:25 م

لا يكاد يوم يمر دون أن تخرج علينا وسائل الإعلام المحلية بمبادرة فريدة أو اقتراح لا نظير له فى الأولين والآخرين لحل أزمة الديون المصرية! لكن كل تلك المبادرات ترتكز على كيفية سداد رصيد الدين، إما عبر اقتطاع من اللحم الحى لثروة مصر من الأراضى والعقارات، أو عبر فرض ما يشبه الإتاوة على فئات يُظن أن صاحب المقترح أنها جمعت من المال ما يستوجب الانقضاض عليه فورًا وبلا رحمة، بغية سداد الدين العام!.. وبعيدًا عن عبثية تلك المقترحات ومجافاتها لمبادئ علم الاقتصاد، وللفهم الصحيح لآليات عمل الأسواق والبعد النفسى والسلوكى للفاعلين فى الاقتصاد.. فإن تلك المقترحات لم تقدّم لنا وصفة واحدة للتعامل مع أزمة الدين باعتبارها أزمة جارية متجددة، وباعتبار روافدها دافقة مستمرة تغذى أرصدتها لاستخدامات شتى داخل وخارج الموازنة العامة للدولة.


هب أنك استطعت بمعجزة سماوية أن تسدد الدين الخارجى لمصر، والذى ناهز 165 مليار دولار، وأن ما يزيد على 11 تريليونًا من الدين المحلى قد تم سدادها أيضًا بين عشية وضحاها، فليس ثمة سبيل ضامن ألّا تتجدد المأساة فى سنوات قليلة، بل إن تصفير رصيد الدين يُغرى المُستدين والدائن معًا كى يتوسّعا فى خلق مزيد من الائتمان وبشروط ميسّرة.. هنا يجب أن يلتفت أصحاب المبادرات إلى نقطة حرجة، مفادها أن الحكومة لم تستدن من أجل رفع قيمة أرصدة الدين، بل لأنها تريد سد عجز الموازنة العامة من ناحية، وسد العجز الخارجى فى ميزان المدفوعات من ناحية أخرى.. غير أن هذين العجزين يتسعان بلا توقف، وتعمل مصروفات الحكومة وأولويات إنفاقها على تشكيلهما باستمرار.


وهنا تحديدًا يكمن بيت الداء؛ فالعجز المالى لا ينشأ فقط من قصور فى الإيرادات، بل من هيكل إنفاق يختل فيه التوازن بين الجارى والاستثمارى، وبين ما يولّد عائدًا اقتصاديًا مستدامًا وما يستهلك موارد دون أن يضيف إلى الطاقة الإنتاجية للاقتصاد. وتشير بيانات الموازنات العامة فى السنوات الأخيرة إلى أن بند الفوائد يلتهم نسبة كبيرة من الإنفاق، بما يزاحم الإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار العام، وهو ما يعيد إنتاج العجز ذاته فى دورة شبه مغلقة، حيث نقترض لنسدد فوائد ما اقترضناه من قبل.


• • •
أما على صعيد العجز الخارجى، فإن الخلل يبدو أكثر عمقًا، إذ لا تزال الصادرات السلعية عاجزة عن مجاراة الواردات، فى ظل اعتماد هيكلى على استيراد مدخلات الإنتاج والسلع الوسيطة والنهائية، بينما تظل موارد النقد الأجنبى مركّزة فى مصادر بعينها، مثل السياحة، وتحويلات العاملين فى الخارج، وإيرادات قناة السويس، وهى جميعها موارد ريعية عرضة للتقلبات الخارجية. وقد أظهرت الأزمات العالمية المتعاقبة، من جائحة كورونا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد، ثم التوترات الجيوسياسية، مدى هشاشة تلك الموارد وعدم انتظامها عند الأزمات.


ولعل النظر إلى تجارب دول أخرى يكشف بوضوح أن المشكلة ليست فى حجم الدين بقدر ما هى فى كيفية إدارته وتوظيفه. فاليابان، التى يتجاوز دينها العام 250% من الناتج المحلى الإجمالى، لا تعانى أزمة ديون بالمعنى التقليدى، لأنها تموّل الجزء الأكبر من دينها محليًا، ولديها قاعدة إنتاجية وتكنولوجية متقدمة تسمح بخدمة هذا الدين دون ضغوط حادة. فى المقابل، عانت اليونان من أزمة طاحنة، رغم أن مستويات دينها كانت أقل نسبيًا، لأن اقتصادها لم يكن قادرًا على توليد فائض حقيقى يكفى لخدمة هذا الدين، فضلًا عن القيود التى فرضها الانضمام إلى منطقة اليورو.


كما تقدم كوريا الجنوبية نموذجًا مغايرًا، حيث ربطت بين الاقتراض والاستثمار الإنتاجى الموجّه للتصدير، فتمكنت خلال عقود قليلة من التحول من دولة نامية مثقلة بالتحديات إلى قوة صناعية كبرى. ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل نتيجة سياسات متسقة ركزت على التعليم، ونقل التكنولوجيا، ودعم الصناعات التصديرية، بما جعل كل وحدة دين تُترجم فى النهاية إلى زيادة فى القدرة على السداد.


وفى المقابل، تقدم تجارب أمريكا اللاتينية، وعلى رأسها الأرجنتين، درسًا بالغ الأهمية؛ حيث تكررت أزمات الديون نتيجة استخدام الاقتراض فى تمويل الاستهلاك أو سد عجز مالى مزمن دون إصلاحات هيكلية حقيقية، ما أدى إلى فقدان الثقة، وتدهور العملة، والدخول فى دوامات من إعادة الهيكلة والتعثر.


إن ما نستخلصه من هذه التجارب هو أن «استدامة الدين» لا تُقاس برصيده فقط، بل بعلاقته بمعدل النمو الاقتصادى وتكلفة الاقتراض، وقدرة الاقتصاد على توليد إيرادات، خاصة من النقد الأجنبى. فإذا كان معدل النمو أقل من سعر الفائدة الحقيقى، فإن الدين يميل إلى التضخم حتى فى غياب عجز أولى كبير، وهو ما يضع المالية العامة تحت ضغط مستمر.


• • •
من هنا، فإن أى مقاربة جادة للاشتباك مع أزمة الدين فى مصر يجب أن تنطلق من إعادة ضبط هذه المعادلة، عبر ثلاثة مسارات متوازية؛ أولها، ضبط المالية العامة من خلال ترشيد الإنفاق الجارى، دون المساس بالإنفاق الاجتماعى الضرورى، وإعادة توجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج. وثانيها، تعزيز القدرة التصديرية للاقتصاد عبر سياسات صناعية وزراعية جادة، تستهدف إحلال الواردات حيثما أمكن، وزيادة القيمة المضافة للصادرات. وثالثها، إدارة الدين بفاعلية أكبر من خلال تنويع مصادر التمويل، وإطالة آجال الاستحقاق، وخفض تكلفة الاقتراض.


ولا يقل أهمية عن ذلك إصلاح بيئة الأعمال بما يتيح للقطاع الخاص أن يقود عملية النمو، إذ لا يمكن للدولة وحدها أن تتحمل عبء الاستثمار والتشغيل فى اقتصاد بحجم وتعقيد الاقتصاد المصرى. ويتطلب ذلك وضوحًا فى الأدوار، واستقرارًا فى السياسات، وتيسيرًا للإجراءات، بما يعيد الثقة للمستثمر المحلى قبل الأجنبى.


كما أن الاعتماد المفرط على أدوات الدين قصيرة الأجل أو على تدفقات رؤوس الأموال الساخنة يظل مصدرًا دائمًا للهشاشة، إذ سرعان ما تنسحب هذه التدفقات عند أول إشارة لعدم الاستقرار، وهو ما شهدته عدة اقتصادات ناشئة، من البرازيل إلى جنوب إفريقيا. ومن ثم، فإن بناء قاعدة تمويل محلية أعمق، وتعزيز الادخار المحلى، يظل خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه.


خلاصة القول، إن الانشغال بسداد الدين دون معالجة أسبابه يشبه محاولة تجفيف الماء من قارب مثقوب دون السعى لإصلاح الثقب ذاته. فالأزمة فى جوهرها ليست أزمة رصيد، بل أزمة تدفقات؛ ليست فيما ندين به اليوم، بل فى الكيفية التى سنواصل بها الاستدانة غدًا إذا لم يتغير نمط إدارة الاقتصاد. والتحدى الحقيقى لا يكمن فى تصفير الدين، بل فى بناء اقتصاد قادر على تمويل نفسه بنفسه، وعلى استخدام الدين كأداة للتنمية لا كعبء تتوارثه الأجيال.


كاتب ومحلل اقتصادى

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات