الأمير الهالك والجميلة النائمة - ياسمين الشاذلي - بوابة الشروق
الأحد 14 يونيو 2026 8:02 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

الأمير الهالك والجميلة النائمة

نشر فى : الأحد 14 يونيو 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الأحد 14 يونيو 2026 - 6:30 م

عندما كنتُ طالبةً فى مرحلة البكالوريوس بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، درستُ مقررًا عن الأدب المصرى القديم، وكان من بين النصوص التى قرأناها قصة «الأمير الهالك» التى دُوّنت على بردية محفوظة اليوم فى المتحف البريطانى، وترجع إلى عصر الدولة الحديثة (١٥٤٩ ــ ١٠٦٩ ق.م.). وتحكى هذه القصة عن أمير طال انتظاره، لكن الحتحورات السبع (وهى تجليات متعددة للمعبودة حتحور ارتبطت بالميلاد والقدر) يتنبأن له عند ميلاده بمصير مأساوى، إذ سيهلك بسبب أحد ثلاثة أخطار: التمساح أو الثعبان أو الكلب. يحاول والده الملك حمايته من هذا المصير المحتوم، فيعزله عن العالم فى قصر بعيد، غير أن الأمير يختار مواجهة الحياة ومصيره بنفسه، فيغادر وطنه ويخوض سلسلة من المغامرات تنتهى بزواجه من أميرة أجنبية تساعده على الإفلات من بعض الأخطار التى تهدده. لا نعرف نهاية القصة لأنها مفقودة فى البردية، لكن يعتقد المتخصصين أنها كانت نهاية سعيدة.

وما إن قرأت هذه الحكاية حتى لفت انتباهى التشابه المدهش بينها وبين قصة «الجميلة النائمة». ففى كلتا القصتين نجد طفلًا ملكيًا طال انتظاره، ونبوءة أو لعنة تُطلقها قوى خارقة عند الميلاد، ومحاولة من الوالدين لتجنب المصير المحتوم، ثم صراعًا بين الإرادة الإنسانية والقدر. صحيح أن التفاصيل تختلف بين القصتين، لكن البنية الأساسية متشابهة بصورة لافتة.

منذ ذلك الحين ظل هذا التشابه يثير فضولى ويدفعنى إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الحكايات قد انتقلت عبر الثقافات والأزمنة حتى وصلت إلينا فى صورة جديدة؟ أم أن البشر فى مختلف أنحاء العالم يبتكرون قصصًا متشابهة لأنهم يشتركون فى بنية نفسية واحدة، فيما سماه عالم النفس السويسرى كارل جوستاف يونج «اللاوعى الجمعى»؟

• • •

لكن الأمير الهالك ليس المثال الوحيد الذى يدفعنا إلى التفكير فى أصول الحكايات الخرافية، فهناك قصص كثيرة معروفة لنا اليوم لها أصداء فى مصر القديمة، ومن الأمثلة المتداولة أن أصل قصة سندريلا يرجع إلى مصر القديمة، والحقيقة أن قصة رودوبيس التى يعتقد الكثيرون أنها مصدر قصة سندريلا ليست حكاية مصرية قديمة بالمعنى الدقيق، بل رواية سجلها مؤرخون يونانيون تدور أحداثها فى مصر. ولهذا يفضل بعض الباحثين وصفها بأنها أقدم نسخة معروفة من نمط «سندريلا» بدلًا من اعتبارها الأصل المباشر للحكاية الأوروبية. يروى المؤرخ الإغريقى سترابون ( ٦٣ ــ ٢٠ ق.م.) فى الفقرة ٣٣ للكتاب السابع عشر لـ«الجغرافيا» أنه أثناء رحلته فى مصر سمع قصة تتعلق بغانية يونانية تُدعى رودوبيس تعيش فى مدينة نقراطيس بمصر وبينما كانت تستحم، اختطف نسر  أحد نعليها وحمله إلى ممفيس، حيث كان الملك يجلس للفصل بين الناس وإقامة العدل، فألقى النسر النعل فى حجر الملك، فاستغرب الحادث وأعجب بجمال النعل، وأمر بالبحث فى جميع أنحاء البلاد عن صاحبته. وعندما عُثر على رودوبيس، أُحضرت إلى ممفيس وأصبحت زوجة الملك. ولا تتضمن رواية سترابون أى ذكر لأختين شريرتين أو زوجة أب قاسية أو حفلة ملكية، بل يقتصر التشابه مع سندريلا على عنصر الحذاء الذى يقود الملك الأمير إلى الفتاة التى سيتزوجها. وجدير بالذكر أن هذه القصة كانت مصدر إلهام للأديب المصرى نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للأدب، فكتب روايته «رادوبيس» فى مطلع حياته الأدبية.

ومن المهم أن نتذكر أن ما وصل إلينا من الحكايات القديمة لا يمثل سوى جزء صغير من التراث القصصى الذى عرفته الشعوب عبر التاريخ. فقبل انتشار الكتابة والطباعة كانت معظم القصص تُروى شفهيًا من جيل إلى جيل، وتنتقل عبر الرواة والأمهات والجدات فى المنازل وفى التجمعات الشعبية. وقد اندثر عدد لا يحصى من هذه الحكايات دون أن يُدوَّن، بينما بقى بعضها حيًا لأنه سُجل فى مرحلة لاحقة. فقد عثر علماء الآثار فى دير المدينة بالأقصر على مئات الأوستراكا التصويرية، وهى شقفات من الحجر الجيرى أو الفخار تحمل رسومًا متنوعة. وتُظهر بعض هذه الرسوم حيوانات تتصرف كبشر، وتؤدى أدوارًا معكوسة ومضحكة، فنرى قططًا تقوم بخدمة فئرانًا، وفئرانًا تحاصر القطط. ويرى بعض الباحثين أن هذه الرسوم قد تكون تصويرًا لحكايات شعبية أو أساطير كانت معروفة للمصريين القدماء لكنها لم تصل إلينا فى نصوص مكتوبة.

تكتسب هذه الرسوم أهمية خاصة لأنها تسبق حكايات أيسوب الشهيرة بعدة قرون. صحيح أننا لا نستطيع الجزم بوجود علاقة مباشرة بينها وبين حكايات أيسوب، لكن وجود هذا التقليد القصصى الحيوانى فى مصر القديمة يذكرنا بأن جذور الأدب الرمزى والحكايات الأخلاقية أقدم بكثير مما نتصور.

وفى أوروبا لم تُعرف كثير من الحكايات الخرافية الشهيرة فى صورتها المكتوبة إلا عندما قام الكاتب الفرنسى شارل بيرو فى أواخر القرن السابع عشر بتدوين قصص مثل سندريلا والجميلة النائمة وذات الرداء الأحمر، ثم جاء الأخوان جريم فى ألمانيا فى القرن التاسع عشر وجمعا الحكايات المتداولة شفهيًا بين الناس ونشراها فى مجموعاتهما الشهيرة. لذلك فإن تاريخ الحكاية الخرافية أقدم بكثير من تاريخ تدوينها، وما كُتب منها ليس إلا لمحة محدودة من عالم واسع من القصص التى عاشت قرونًا طويلة فى الذاكرة الشعبية قبل أن تجد طريقها إلى الورق.

• • •

لكن ما هو سبب تشابه القصص عبر الأزمنة والأمكنة؟ فالباحثون يعرفون أن القصص تنتقل بالفعل بين الثقافات، وأن العالم القديم كان أكثر اتصالًا مما نتخيل، فقط كانت مصر جزءًا من شبكة واسعة من العلاقات التجارية والثقافية امتدت عبر شرق البحر المتوسط والشرق الأدنى. ومن ثم فإن انتقال بعض العناصر السردية من مكان إلى آخر أمر محتمل. ولكن هناك احتمالًا آخر. رأى عالم النفس السويسرى الشهير كارل جوستاف يونج أن النفس البشرية لا تتكون فقط من الوعى وما يحتويه من أفكار ومشاعر ندركها، ولا من اللاوعى الشخصى الذى يضم الذكريات والتجارب المكبوتة الخاصة بكل فرد، بل تحتوى أيضًا على مستوى أعمق أسماه «اللاوعى الجمعى». وهذا المستوى ليس نتاج الخبرة الفردية، بل هو موروث نفسى مشترك بين جميع البشر، تشكل عبر تاريخ الإنسانية الطويل، ويحتوى على رموز وصور أساسية سماها «النماذج الأصلية». وتظهر هذه النماذج فى الأحلام والأساطير والحكايات الشعبية عبر العالم كله. 

وفى النهاية، ربما لا نستطيع أن نحسم بصورة نهائية ما إذا كانت قصة الجميلة النائمة تنحدر من الأمير الهالك، أو ما إذا كانت سندريلا مدينة لرودوبيس، لكن أهمية هذه المقارنات لا تكمن فقط فى البحث عن «الأصل الأول» للحكاية، بل فى إظهار أن مصر القديمة كانت جزءا من تاريخ عالمى للخيال الإنسانى، سواء انتقلت هذه القصص من حضارة إلى أخرى، أو ولدت بصورة مستقلة من أعماق النفس البشرية المشتركة، فإنها تكشف عن أن البشر، رغم اختلاف لغاتهم وثقافاتهم وعصورهم، ظلوا يروون القصص نفسها تقريبًا، لأنهم يطرحون الأسئلة نفسها عن القدر والحب والخوف والأمل. وربما لهذا السبب لا يزال الأمير الهالك والجمال النائم، ورودوبيس وسندريلا، قادرين على مخاطبتنا بعد آلاف السنين من ولادتهم.

معاون وزير الآثار لشئون المتاحف الأسبق والمشرف على إدارة المنظمات الدولية والتعاون الدولى الأسبق

ياسمين الشاذلي معاون وزير الآثار لشئون المتاحف الأسبق والمشرف على إدارة المنظمات الدولية والتعاون الدولي الأسبق
التعليقات