العودة إلى حجمنا الطبيعى - من الصحافة الإسرائيلية - بوابة الشروق
الأحد 14 يونيو 2026 8:02 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

العودة إلى حجمنا الطبيعى

نشر فى : الأحد 14 يونيو 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الأحد 14 يونيو 2026 - 6:30 م

شهد الأسبوع قبل الماضى إعادة إسرائيل إلى حجمها الحقيقى فيما يتعلق بهامش حركتها فى المنطقة، وسؤال «مَن يملك فعلًا القرار بشأن إنهاء الصراعات التى تخوضها منذ 7 أكتوبر؟» وقد برز نموذجان أساسيان: الأول «حرب السبع عشرة ساعة»، التى بدأت بهجوم إسرائيلى استثنائى فى الضاحية الجنوبية لبيروت، وتطورت إلى مواجهة مع إيران قبل أن تتوقف بتوجيه من واشنطن. والثانى إعلان الرئيس ترامب اقتراب التوصل إلى اتفاق مع إيران، وهو مسار يبدو أن إسرائيل لم تكن شريكًا فيه، ويثير تساؤلات عميقة بشأن التوازن الاستراتيجى الذى أفرزته عملية «زئير الأسد»، كما يكشف عن فجوات لا يمكن إخفاؤها بين واشنطن والقدس.

وفى إطار هذه العودة إلى الواقع، تنكشف حقيقة معقدة ينبغى استيعابها: فمن جهة، إسرائيل قوة إقليمية تملك قدرات عسكرية مبهرة على المستوى العالمى وجرأة استثنائية، بالإضافة إلى صلابة وطنية لافتة، ومن جهة أُخرى، فهى تعتمد بصورة عميقة عسكريًا وسياسيًا على الولايات المتحدة، كما أن تحركاتها الاستراتيجية خلال العامين الماضيين أصبحت ممكنة أساسًا بسبب وجود ترامب فى البيت الأبيض.

وبذلك، ينتهى، بصورة محبطة لكن غير مفاجئة، نوع من النشوة التى تطورت خلال عملية «زئير الأسد» نتيجة التعاون غير المسبوق مع الولايات المتحدة. ويبدو أن هناك فى إسرائيل مَن اقتنع بأن «ترامب معنا فى السرّاء والضرّاء»، ونسى قليلًا أنه على الرغم من كونه صديقًا كبيرًا لإسرائيل، فإنه قائد يتحرك وفق منطق المصالح والأعمال والمصالح الأمريكية أولًا.

وقد تجلى ذلك عندما أمر بإنهاء الحرب فى غزة، وأعاد طائرات كانت فى طريقها لمهاجمة إيران، وقيّد الهجمات ضد أهداف النظام فى سوريا، ووضع خطًا أحمر أمام ضم أجزاء من الضفة الغربية، كما «قيّد» يد إسرائيل فيما يتعلق بالهجمات على بيروت.

منذ قيام إسرائيل، وضعت واشنطن أمامها خطوطًا حمراء مرات عديدة: ففى سنة 1973، ضغطت عليها لإنهاء الحرب، كما فرضت عليها قيودًا خلال حرب لبنان سنة 1982، وحرب الخليج الأولى، وفى عهد إدارة أوباما، أوقفت خططًا لضرب إيران.

غير أن هذه القيود تبدو اليوم أكثر إحباطًا من وجهة النظر الإسرائيلية، بسبب التوقعات المرتفعة التى نشأت من الشراكة التاريخية فى مواجهة إيران، فى مقابل التقييد المتزايد لحرية العمل الإسرائيلية فى معظم الجبهات، واحتمال ألاّ تنتهى عملية «زئير الأسد» بما وُعد به من «نصر مطلق». ويضاف إلى ذلك الشعور بعدم الارتياح الذى ساد فى إسرائيل خلال السنة الماضية بسبب تدخُّل ترامب فى السياسة الداخلية الإسرائيلية، وخصوصًا فيما يتعلق بملف العفو عن نتنياهو، الأمر الذى شكَّل صورة محرجة لدولة تبدو وكأنها «تابعة».

إن الإحباط الناتج من الخطوات الأمريكية الأخيرة يثير أصواتًا تعكس انفصالًا عن الواقع وضعفًا فى الذاكرة التاريخية. ومن هذه الأصوات مَن يدعو إلى قول «لا» لترامب، والاعتماد على مبدأ «شعب قادر لوحده»، بالإضافة إلى التسريبات التى تحدثت عن قول نتنياهو فى المجلس الوزارى المصغر إن إسرائيل قد تضطر إلى مواصلة القتال ضد إيران بمفردها والتكيف مع واقع «إسبرطى جديد» من جولات الصراع المستمرة معها.

وحتى لو جرى تبنّى جزء من هذا التوجه، فقد يؤدى ذلك إلى احتكاك خطِر مع ترامب تكون عواقبه أشد كثيرًا مما شهدته العلاقات بين نتنياهو وأوباما أو بايدن. فإسرائيل تشكل رصيدًا استراتيجيًا مهمًا للولايات المتحدة، والعلاقة بين البلدين قوية جدًا، لكن من المهم تجنب المخاطرات غير المحسوبة.

وقد يكون الاتفاق مع إيران أولى خطوات عملية أوسع يقودها ترامب لإغلاق صراعات المنطقة عبر التسويات السياسية، بعكس رغبة الحكومة الإسرائيلية فى استمرار المواجهات. ومن المرجح أن تترافق هذه العملية مع تضييق هامش الحركة الإسرائيلى، وربما مع مطالب بالانسحاب من بعض المناطق التى تم احتلالها فى الساحات المتعددة.

وفيما يتعلق بإيران، ينبغى التأكد من أن الاتفاق المرتقب يركز بصورة جدية على معالجة البرنامج النووى، مع إعطاء هذه القضية أولوية على ملفات الصواريخ والوكلاء الإقليميين، والتخلى عن أوهام إسقاط النظام الإيرانى.

وبالتوازى مع الاتفاق مع إيران، أو بعده، من المرجح أن تبدأ جهود لإنهاء المواجهة فى لبنان. وهنا أيضًا يجب التركيز على المصالح الحيوية والقابلة للتحقيق، وعلى رأسها ضمان خلو جنوب لبنان من وجود حزب الله، بدلًا من التمسك بشعارات كنزع سلاح الحزب بالكامل وفورًا أو القضاء عليه نهائيًا.

وفى الخلفية، تتزايد المؤشرات إلى احتمال التوصل إلى تسوية قريبة فى غزة، تتضمن اتفاقًا على نزع سلاح «حماس» بالتدريج، وليس بالكامل وفورًا، فى مقابل مطالبة بانسحاب الجيش الإسرائيلى من «الخط الأصفر»، ونشْر قوة متعددة الجنسيات، وبدء عمل حكومة تكنوقراط.

وهنا أيضًا تبرز الحاجة إلى استبدال شعارات كالبقاء الدائم فى الأراضى، أو العودة قريبًا إلى حرب واسعة النطاق (وهو أمر لا يبدو أن ترامب سيوافق عليه)، أو القضاء الكامل على «حماس»، بأهداف أكثر واقعية، أبرزها ضمان عدم سيطرة الحركة على محور فيلادلفيا والحفاظ على حرية العمل ضدها.

ولا يمكن استبعاد ظهور ضغوط أمريكية مشابهة فيما يتعلق بالضفة الغربية، إذ شهدت أعمال العنف اليهودية تصاعدًا ملحوظًا، واستمرت جزئيًا لأن واشنطن لم تفرض حتى الآن موقفًا صارمًا تجاه هذه القضية.

إن تزايد احتمالات إنهاء الأزمات فى المنطقة يفرض على إسرائيل أن تدرك أن ما يُعرض منذ 7 أكتوبر باعتباره عقيدة أمن قومى جديدة، تقوم على السيطرة على مزيد من الأراضى العربية واستخدام القوة باستمرار فى كل زمان ومكان اعتمادًا على اعتقاد أن واشنطن ستوفر دعمًا استراتيجيًا وحرية حركة واسعة، ليس سوى أمنيات وشعارات فارغة؛ فالولايات المتحدة ترسل فى الأسابيع الأخيرة إشارات متحفظة متزايدة تجاه إسرائيل، وأى تجاهل لهذه الإشارات قد يقود إلى احتكاك خطِر مع ترامب فى المستقبل القريب.


ميخائيل ميلشتاين

يديعوت أحرونوت

مؤسسة الدراسات الفلسطينية 

 

من الصحافة الإسرائيلية أبرز المقالات من الصحف الإسرائيلية
التعليقات