الفرق بين هشام وضياء - شريف عامر - بوابة الشروق
الإثنين 11 مايو 2026 8:39 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الفرق بين هشام وضياء

نشر فى : الإثنين 11 مايو 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الإثنين 11 مايو 2026 - 6:50 م

الأول هو الدكتور الطبيب هشام عيسى، أستاذ ورئيس قسم التحاليل بجامعة بنى سويف، والثانى هو الراحل ضياء العوضى.


لم يتقابل صاحبا الاسمين أبدا، وإن تشاركا دراسة واحدة.


أصحاب هذه المهنة لا يغادرون مناطق التعلم والتطور أبدا. يعرفون أن العلم مفتاحهم الوحيد، وإجادة النظر إلى أوراق التحليل تحتاج إلى استيعاب ما يستجد من تطورات علمية مستحدثة، وهى ضرورة كى تنجح النظرة العميقة المتفحصة فى وجه من لجأ إليهم طالبا العون.


ولأن طبيعة العمل شديدة القسوة، ومتطلبات المهنة عالية ولا تنتهى، تكون كلفتها النفسية مرهقة للغاية.


هى مهنة لا تعرف الضوء العام إلا فيما ندر، والضوء الوحيد المرتبط بها هو الصادر عن وجوه زال عنها الألم، وهجرتها هواجس المرض. هذه هى الأضواء التى يكتفى الطبيب بها ويرضى، فلا حاجة لمساحة التواجد على منصات التواصل لإثبات الذات والمكانة، أو التظاهر بقدرات خارقة تنفى العلم أو تناقضه.


بحسابات الزمن، كلاهما طبيبان ينتميان إلى الجيل نفسه، ورغم أن الطموح قد يتشابه بين أصحاب المهنة الواحدة، إلا أن الطريق والمنهج يرتبطان بالوجهة والهدف. هكذا، أصبح لكل منهما عالمه البعيد عن الآخر، مسافات من السنوات الضوئية نفسيا ومعنويا.
يرتبط عالم هشام بقراءة بيانات وتحاليل، ومقارنتها بوجوه البشر القادمين إليه بوجع يطلبون الشفاء منه.


أما عالم ضياء فقد ارتبط بمشاعر دفينة من المرارة التى لا يعلم سببها أو طبيعتها أحد إلا هو، والمقربون فى محيط الأسرة أو من كانوا أصدقاء.


عالم هشام يظهر على قسمات وجهه مستفسرا ومتَفحصا بيانات وأرقاما عن أداء جسم يبوح بإشارات لا يفهمها إلا العلماء.


عالم ضياء يظهر كذلك على قسمات وجهه، لكن تعبيراته كاشفة عن إرهاق وتوتر لا محدود تحت ضغط الادعاء، والعدوانية، وإنكار كل ما درس.


عالم هشام قام على حقائق علمية سبقه إليها أساتذة علماء، فصمم على الانتفاع منها ثم بها، وعالم ضياء قام على إنكار كل ما سبق، والبدء من على أعتاب العصور المظلمة كى يلعب فيها دور ساحر القرية، وكل من حوله مريدون وأتباع.


• • •
تردد اسم هشام عيسى أمامى مؤخرًا خلال الإعلان عن تطور علمى جديد يستخدم أسنان الأطفال اللبنية فى استخراج أنسجة وخلايا يمكنها إنقاذ أرواح يهددها انتشار أنواع متعددة من الأورام.


عرفت أن الدكتور هشام قد تحالف مع مجموعة من الأطباء المصريين زملائه فى جامعات مختلفة ومن تخصصات متعددة، قبل عشرين عاما، لتأسيس أول بنك مشيمة وحبل سرى فى مصر. أنقذوا من خلاله عشرات من مرضى اللوكيميا والأمراض المستعصية المهددة للحياة.


كانت المشيمة والحبل السرى قبل ذلك تستقر فى سلة مخلفات طبية تحت طاولات الولادة.


الدكتور هشام اليوم هو واحد من قلائل تحولوا إلى مُحكمين دوليين لتقييم المعايير العلمية لبنوك الأعضاء والأنسجة قبل منحها رخصة دولية تمكنها من العمل.


نفس الفترة الزمنية التى استغرقها هشام فى بناء صروح العلم والأمل، استغرقها ضياء فى فضاء الوهم الافتراضى يبنى صروحا من خيال تتهاوى عند التعرض لأول اختبار على أسس علمية.


هشام اختار طريق الطبيب الحكيم، وضياء جرد نفسه بنفسه من ذات الصفة قبل أن تجرده منها المؤسسات المعنية.


• • •
قدرت لى ظروف شخصية أن أعايش حياة أطباء على مدار ثلاثة أسابيع كاملة فى مستشفى عام. رأيت حال المستشفى خاوية هادئة، ورأيتها عاصفة مزدحمة امتلأت طرقاتها بصراخ ضحايا حوادث تستنجد.


رأيت قبل ذلك رجالاً بقدر الحكيم الأنبل شريف مختار، الذى بنى مجده الشخصى فى قلوب من دخلوا إلى مركز الرعاية الحرجة فى قصر العينى، بعد أن أسس هذا العلم فى مصر، وفاض علمه فى عشرات من طواقم طب الرعاية الحرجة فى أنحاء مصر والعالم.
أجيال من الأطباء والحكماء الذين تجسدت فيهم رحمة الله بنا عندما قرروا، عن إرادة حرة واعية، اختيار بذل السنوات فى دراسة الطب ثم ممارسته، بغض النظر عن إمكانات محدودة وصعوبات لا تنتهى.


هشام ينتمى لسلسال هؤلاء الحكماء من أمثال شريف مختار، وحازم عبد العظيم، وأحمد عبد العزيز.


هؤلاء وغيرهم كثر عاشوا كى يكونوا جديرين بما يحملون من علم، ومؤهلات تقدرهم على تحقيق الشفاء لمن يشكو ألما أو مرضا.


اسم هشام عيسى سيعيش محاطا بدعوات أرواح أنقذها علمه.


اسم ضياء العوضى سيتوه فى فضاء مزدحم بجدل سينتهى بعد أيام، إن لم يكن قد انتهى.

التعليقات