لماذا تحدث ماكرون عن يوسف شاهين وعمر الشريف؟ - خالد محمود - بوابة الشروق
الإثنين 11 مايو 2026 8:39 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

لماذا تحدث ماكرون عن يوسف شاهين وعمر الشريف؟

نشر فى : الإثنين 11 مايو 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الإثنين 11 مايو 2026 - 6:35 م

حين تحدث الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون عن عمر الشريف ويوسف شاهين خلال مشاركته فى افتتاح جامعة سنجور بصحبة الرئيس عبدالفتاح السيسى، لم يكن الأمر مجرد استدعاء لاسمين من نجوم الفن المصرى، باعتبارهما من رموزه التى صنعت الحلم والإبداع.

بل بدا وكأنه استحضار لذاكرة كاملة تربط فرنسا بالإسكندرية ومصر وثقافة البحر المتوسط. فالثنائى، كل بطريقته، ترك أثرًا عميقًا داخل الوجدان الفرنسى، حتى أصبح حضورهما يتجاوز حدود السينما إلى صورة أوسع عن مصر الحديثة والمنفتحة والمتعددة الثقافات.


فرنسا تحديدا كانت واحدة من أكثر الدول الأوروبية احتفاء بيوسف شاهين. فمنذ سنوات مبكرة، أدرك النقاد الفرنسيون أن هذا المخرج القادم من الإسكندرية لا يقدم أفلامًا محلية فقط، بل يصنع سينما إنسانية ذات طابع عالمى. أفلامه كانت مليئة بالأسئلة السياسية والهوية والحرية والعلاقة بين الشرق والغرب، وهى موضوعات وجدت صدى واسعًا لدى الجمهور والنقاد الفرنسيين.


ارتبط اسم شاهين طويلا بمهرجان كان السينمائى؛ حيث شارك بعدد كبير من أفلامه، وتحول مع الوقت إلى أحد أبرز الوجوه العربية فى المهرجان. وعندما منحه المهرجان جائزة الإنجاز الخاصة فى اليوبيل الذهبى عام 1997، بدا الأمر وكأنه اعتراف فرنسى وأوروبى بمكانته كأحد كبار مخرجى العالم، وليس فقط كصوت عربى مهم.


اللافت أيضا أن فرنسا لم تتعامل مع شاهين باعتباره «ضيفًا أجنبيًا»، بل كجزء من ثقافتها السينمائية نفسها. كثير من أفلامه حصلت على دعم وإنتاج وتوزيع فرنسى عبر شراكات فرنسية، ما جعله حاضرا بقوة داخل الثقافة الفرانكوفونية، وليس فقط كصانع أفلام مصرى.
كما أن الجامعات والمعاهد السينمائية الفرنسية تناولت تجربته بالدراسة والتحليل، خصوصا طريقته فى المزج بين السيرة الذاتية والسياسة والموسيقى والشعر.


بالنسبة للفرنسيين، كان شاهين يمثل صورة الفنان الحر الذى لا يخشى طرح الأسئلة أو الاصطدام بالثوابت.


أما عمر الشريف، فقد كان تأثيره مختلفا لكنه لا يقل عمقا. إذا كان شاهين قد وصل إلى فرنسا عبر سينما المؤلف والنقد الفنى، فإن عمر الشريف دخل إلى قلوب الفرنسيين كنجم عالمى يتمتع بكاريزما استثنائية وحضور إنسانى ساحر. منذ نجاحه فى لورانس العرب ثم دكتور زيفاجو تحول الشريف إلى واحد من أشهر الوجوه السينمائية فى العالم، وكانت فرنسا من أكثر الدول الأوروبية تعلقا به.


جزء كبير من هذا الارتباط يعود إلى شخصيته نفسها. عمر الشريف كان يتحدث الفرنسية بطلاقة، ويملك خلفية ثقافية متوسطية جعلته قريبا من المجتمع الفرنسى. لم يكن بالنسبة لهم مجرد ممثل شرقى ناجح فى هوليوود، بل نموذجا لفكرة «المواطن العالمى» الذى يحمل روح الشرق وأناقة أوروبا فى الوقت نفسه.


كما ارتبط الشريف بعلاقات قوية مع الصحافة والوسط الفنى الفرنسى، وكان ضيفًا دائمًا على المهرجانات والبرامج الثقافية فى باريس. وحتى بعد تراجع ظهوره السينمائى فى سنواته الأخيرة، ظل يحتفظ بصورة النجم الأرستقراطى صاحب الحضور الهادئ والابتسامة التى لا تُنسى.


وربما تكمن أهمية الثنائى فى أنهما قدما صورتين متكاملتين عن مصر داخل المخيلة الفرنسية. يوسف شاهين قدّم مصر المثقفة والمتمردة والمتنوعة، بينما جسّد عمر الشريف مصر العالمية القادرة على التواصل مع الجميع. كلاهما خرج من الإسكندرية، المدينة التى طالما رآها الفرنسيون رمزًا للتعايش والانفتاح والروح المتوسطية.


لهذا بدا استدعاء ماكرون لاسميهما طبيعيًا للغاية. فحين تتحدث فرنسا عن علاقتها الثقافية بمصر، يصعب تجاوز تأثير يوسف شاهين وعمر الشريف. الأول صنع جسرًا فنيًا وفكريًا بين القاهرة وباريس، والثانى منح الوجه العربى حضورًا إنسانيًا جذابًا داخل السينما العالمية. وبعد سنوات طويلة من رحيلهما، ما زالا يمثلان بالنسبة للفرنسيين جزءًا من زمن ثقافى جميل كانت فيه السينما لغة مشتركة بين ضفتى المتوسط.

 

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات