«القيمة العاطفية».. عندما يصبح الفيلم ساحة لتصفية الحساب مع الذاكرة - خالد محمود - بوابة الشروق
الأربعاء 8 أبريل 2026 9:37 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

«القيمة العاطفية».. عندما يصبح الفيلم ساحة لتصفية الحساب مع الذاكرة

نشر فى : السبت 28 مارس 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : السبت 28 مارس 2026 - 7:10 م

 

ليس من السهل على السينما أن تقترب من مفهوم «العائلة» دون أن تنزلق إلى الميلودراما، ولا أن تقدم فيلمًا عن «الفن نفسه" دون أن تقع فى فخ النرجسية. لكن فيلم Sentimental Value، أو «القيمة العاطفية»، للمخرج النرويجى يواكيم ترير، المتوج بأوسكار أفضل فيلم دولى هذا العام، ينجح فى عبور هذين الحقلين الملغومين بحساسية نادرة، مقدما عملا يبدو فى ظاهره حميميا وبسيطا، لكنه فى العمق قاس ودقيق إلى حد الإيلام.

الفيلم لا يروى حكاية تقليدية بقدر ما يفتح جرحا قديما ويتأمله طويلا، دون استعجال الشفاء. نحن أمام سرد يتخلى عمدا عن الذروة الدرامية الواضحة، ويتحرك فى مساحات رمادية، حيث لا توجد لحظة اعتراف كبرى ولا حل نهائى. تدور الأحداث حول «جوستاف»، المخرج السينمائى المخضرم، الذى يعود إلى حياة ابنتيه «نورا» و«أجنيس» بعد غياب طويل، محاولًا إعادة وصل ما انقطع. لكن محاولته لا تأتى عبر المواجهة المباشرة أو الاعتذار، بل من خلال مشروع فنى جديد: فيلم مستوحى من تاريخ العائلة نفسها.

هذا الاختيار السردى ذكى وخطير فى آنٍ واحد. فبدلًا من بناء درامى تقليدى، يفضل الفيلم التوغل فى صراع داخلى صامت، يتجلى فى النظرات أكثر مما يُقال فى الحوار. اللقاءات بين الشخصيات مشحونة بذاكرة مثقلة بخيبات الأمل، حيث يصبح الماضى حاضرًا ثقيلًا يفرض نفسه على كل لحظة.

فى هذا الإطار، لا يكتفى الفيلم بكونه دراما عائلية، بل يتحول إلى تأمل عميق فى طبيعة الفن ذاته: كيف يعالج الفنان ماضيه؟ وهل يمكن للفن أن يكون وسيلة للترميم، أم أنه أداة لإعادة السيطرة على ما حدث؟

وقد توّج هذا الطرح الإنسانى المعقد بفوز الفيلم بجائزة جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولى، وهو تتويج يبدو منطقيا بالنظر إلى فرادته. فالفيلم لا يعتمد على حبكة صاخبة أو خطاب مباشر، بل على حساسية عالية فى تفكيك العلاقات الإنسانية، وقدرته على تحويل الخاص جدا إلى تجربة عالمية تمس أى مشاهد، وهو ما جعله عملًا مستحقا للجائزة بجدارة.

يراهن يواكيم ترير على صبر المشاهد، ويثق فى قدرته على التقاط ما لا يُقال. شخصية «جوستاف»، التى يؤديها ستيلان سكارسجارد بأداء بالغ التعقيد، تشكل القلب النابض للفيلم. هو أب غائب، لكنه ليس مهزوما، فشل عاطفيًا، لكنه ناجح رمزيًا. رجل اعتاد أن يرى العالم من خلال الكاميرا، لكنه يبدو عاجزًا عن فهم الألم خارجها.

الفيلم لا يدينه صراحة، ولا يمنحه غفرانا سهلا. بل يقدمه كنموذج للفنان الذى استخدم حياته وحياة الآخرين كمادة خام، قبل أن يكتشف متأخرًا أن هذه «المادة» تملك ذاكرة ومشاعر، وربما مقاومة أيضا. هنا تتحول السينما إلى سؤال أخلاقى: هل يحق للفنان أن يعيد تمثيل جراح الآخرين باسم الفن؟

على الجانب الآخر، تقف الابنتان كنقيضين نفسيين واضحين. «نورا»، التى تجسدها ريناته راينسف، شخصية صدامية، واعية بعمق للخذلان، وترفض أن تكون جزءا من فيلم جديد فى حياة والدها، لأنها ترى فى ذلك استمرارا للاستغلال. تقدم راينسف أداءً شديد الحساسية، حيث لا تعلن الغضب بوضوح، بل تتركه يتسلل فى انفعالات مكبوتة تنفجر فى لحظات خاطفة.

أما «أجنيس»، التى تؤديها إنجا إبسدوتر، فتبدو أكثر تصالحًا، أو ربما أكثر ميلًا للتجاهل. تمثل ذلك النوع من الأبناء الذين يتعايشون مع الغياب بدلًا من مواجهته. العلاقة بين الأختين تُرسم ببساطة خالية من الافتعال، وكأن الفيلم يرفض تقديم التضامن العائلى كحل سهل أو نهائى.

أحد أبرز مستويات الفيلم هو استخدام تقنية «الفيلم داخل الفيلم». فمشروع جوستاف ليس مجرد تفصيلة درامية، بل مرآة مزدوجة تعكس محاولة إعادة كتابة الماضى. نحن نشاهد فيلمًا عن مخرج يصنع فيلمًا ليعيد تشكيل ذاكرته. هذه البنية الميتاسردية لا تُستخدم للاستعراض، بل للتشكيك: هل ما يفعله جوستاف محاولة للفهم، أم محاولة متأخرة للسيطرة؟

بصريا، يتبنى الفيلم أسلوبا هادئا يصل إلى حد التقشف: كاميرا شبه ثابتة، إضاءة طبيعية، ومشاهد طويلة تتيح للصمت أن يتكلم. لا موسيقى تفرض الإحساس، ولا مونتاج متسارع يوجه الإيقاع. هذا الاختيار يخدم الفكرة الأساسية: العلاقات المتصدعة لا تُرمم بالمبالغة، بل بالمواجهة البطيئة والمؤلمة.

فى النهاية، «القيمة العاطفية» ليس فيلمًا سهلا، ولا يسعى لأن يكون محبوبا فورا. إنه عمل يتطلب من المشاهد أن يكون شريكا لا متلقيا، وأن يواجه – ربما على مضض – حقيقة أن بعض الجراح لا تُشفى، بل نتعلم فقط كيف ننظر إليها. هو فيلم عن العائلة، نعم، لكنه فى جوهره فيلم عن حدود الفن، وعن الثمن العاطفى للموهبة، حيث ينجح يواكيم ترير فى تقديم تجربة سينمائية إنسانية، شخصية وعالمية فى آن واحد.

خالد محمود كاتب صحفي وناقد سينمائي
التعليقات