شهادات دكتوراه فى اللاشىء - أسامة غريب - بوابة الشروق
الجمعة 1 مايو 2026 10:44 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

شهادات دكتوراه فى اللاشىء

نشر فى : الجمعة 1 مايو 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الجمعة 1 مايو 2026 - 6:30 م

من المعروف أن الكثير من مفكرينا وأساتذتنا فى النصف الأول من القرن العشرين قد حصلوا على الدكتوراه من جامعات أوروبا. هذا بالرغم من أن الجامعة المصرية كانت موجودة منذ عام 1908، والسبب أن جامعتنا الوليدة كانت لا تزال نبتة تحتاج إلى تغذية، وعليه فقد كانت تعرف حدودها وتفهم أنها فى حاجة إلى إرسال البعثات للغرب حيث المكتبات الضخمة والمختبرات المتقدمة والأساتذة المتخصصين فى مختلف المجالات.

وليت هذا الأمر استمر حتى لا نصل إلى ما نحن فيه الآن حيث جامعات خارج التصنيف كانت فى الأصل مدارس إعدادية وثانوية استولوا على مبانيها وحولوها بقرارات إدارية إلى جامعات تقوم بكل جسارة بمنح شهادات الدكتوراه لطلبة بعضهم لا يحسن القراءة والكتابة يشرف عليهم أساتذة تشغلهم الاحتفالية التى يقيمها الطالب ووليمة الغداء من عند الحاتى التى باع الباحث البائس مصاغ أمه أو جاموسة أبيه لإقامتها.


من المعلوم من العلم بالضرورة أن شهادات الدكتوراه لا تُمنح إلا لباحث قدم إسهاما علميا جديدا لم يسبقه إليه أحد، بمعنى أن يأتى بعلاج جديد فى الطب مثلا أو يطرح نظرية فى الفيزياء أو الكيمياء أو يقدم فكرة تكنولوجية تساعد على تطوير أدوات الإنتاج أو يخرج على الناس ببحث فلسفى يضرب المسلمات ويحرك الماء الراكد ويجعل العالم يعيد التفكير فى بعض رؤاه الثابتة. هذا هو الأصل فى أبحاث الدكتوراه، وهو أمر يجعل بلادنا العربية وهى تتظاهر بالحداثة تفعل ما عبّر عنه الشاعر نزار قبانى حين قال: لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية!


وإذا ما تركنا العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية ونظرنا إلى الدكتوراهات التى يتم منحها فى العلوم الدينية لوجدنا أنفسنا بإزاء حالة غريبة تتنافى مع أوليات مبادئ البحث العلمى وهو الشك! هل يُسمح للباحث بالشك فيما بين يديه من آيات وأسفار ومزامير وإصحاحات ومرويات؟ والسؤال الأهم أليس الدين، أى دين، بحسبان أصحابه، مكتملا؟ أو ليس صالحا بحالته الأولى لكل زمان ومكان؟ أليس النص ثابتًا والحقيقة مطلقة والأسئلة كلها مُجاب عنها؟ ما الذى يضيفه الباحث طالب الدكتوراه.. هل يكتشف نصوصا جديدة تكمل الموجود وتضيف إليه أم أنه يعيد ترتيب وصياغة ما بين أيدينا ويقدمه إلى اللجنة الممتحنة فى قوارير جديدة فتمنحه لقب دكتور؟! إن الحقيقة التى يتجنب المجتمع الإشارة إليها أن البحث الدينى الذى يتقدم صاحبه لنيل الدكتوراه لا يتضمن إنتاج معرفة جديدة لكن يقوم بإعادة تدوير النصوص الموجودة.. وأنا هنا لا أتحدث عن حالة وعظية أو خطابية يقوم فيها أحدهم بتقديم ما يساعد الناس على ترسيخ إيمانهم وتدعيم مثلهم العليا وإحاطة علاقتهم بالنصوص المقدسة بسياج حمائى وجدران قوية.. ليس عن هذا أتحدث وإنما الكلام هنا عن بحث علمى يدور فى إطار نخبة النخبة، حيث لا يمكن اختبار الموضوعات بغير طرحها على مناهج البحث وأولها الشك، فهل يمكن فعل هذا بالنسبة لبحث دينى أم أن أقصى ما يمكن عمله هو شرح ما تم شرحه بواسطة القدماء من زمان، والتعليق على ما شبع تعليقا طوال القرون المنصرمة ضمن حدود ضيقة لا يمكن تخطيها، لأن أى خروج عن الأطر هنا يعتبر انحرافا أو كفرا وليس إبداعا! وهنا تتضح المفارقة التى نقصدها، ففى العلوم الطبيعية، الشك فضيلة والنقد لا غنى عنه من أجل دفع الحياة للأمام، أما فى العلوم الدينية، فالشك خطر، والنقد جريمة..

فكيف يتم منح أعلى لقب أكاديمى فى بيئة علمية يغيب عنها أوليات أدوات البحث وهى كسر المسلمات؟ العلوم قابلة للتطور وهذا يتم عن طريق الأبحاث التى تضرب بالمعاول وتهدم غير النافع وتقدم بدائل له، لكن هل الأديان قابلة للتطور؟ أعتقد أن الإجابة التى سنحصل عليها ستكون بالنفى باعتبار الأديان مكتملة، وهذا فى الحقيقة لا معنى له سوى أن كل هذه الدراسات العليا تدور فى حلقة مفرغة ولا تقوم إلا بإعادة صياغة ما هو موجود أصلا. وأعيد وأكرر أن عملية إعادة صياغة ما هو موجود وإعادة تدويره ليست مشكلة على الإطلاق إذا كنا نتحدث عن خطبة الجمعة أو موعظة الأحد، فهى فى هذا السياق نافعة ومفهومة ولا يوجد عاقل يرفضها أو يعترض عليها، إنما نتحدث عن الرسائل العلمية التى يجب أن يسودها التحرر لا الانغلاق، والرغبة فى الخروج على المألوف وليس توفير الحماية. المشكلة أيضًا ليست فى دراسة الدين وتدريسه، فهذا مفهوم، لكن فى ادعاء أن الدراسات الدينية تماثل بقية العلوم فى إنتاج المعرفة لأن الفرق كبير، فهناك علوم تبنى المستقبل وعلوم تحرس الماضى، ولا بأس من حراسة الماضى المرتبط بما يطمئن الإنسان ويمنحه السكينة، لكن لا يجوز منح شهادات الدكتوراه مكافأة لمن يحرس الماضى، فالشهادة يجب أن تكون تقديرا للبحث القيم لا تقديرا للموروث!


وإذا أضفنا إلى ما سبق أن هذه الأبحاث التى تمنح الدكتوراه تتم فى جامعات كثير منها لا يحمل من سمات الجامعة إلا اسمها بعد أن ذهبت الأجيال التى كان يمكن أن تكون المناقشات والأبحاث فى ظل وجودها قيّمة وعميقة، وقد كان يمكن فى وجود الرواد الثقات المثقفين أن ننسى ضرورة أن يجترح طالب الدكتوراه فى العلوم الإنسانية أفكارا جديدة ونكتفى منه بالتعمق والغوص وتقديم قراءات جادة فى الفلسفة والتاريخ واللغة والدين..غير أن هذا الحد الأدنى تلاشى وصرنا عراة من المنهج والحكمة والتقاليد فأصبحنا فى كثير من الأحيان نقوم بتدوير اللاشىء ونحصل فى مقابل هذا على الدكتوراه!

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات