«آه يا وطنى الحزين.. حولتنى بلحظةٍ من شاعرٍ يكتب شعر الحب والحنين لشاعر يكتب بالسكين».
هذا بعض مما خطه قلم نزار قبانى تعبيرا عن المسار الذى اتخذه شعره رغما عنه، فبدلا من أن يتفرغ لشعر الهوى والغزل الذى يحبه ويتقنه ويبرع فيه، وجد نفسه والحرائق تشتعل فى وطنه يدع ترف أشعار العشق والغرام ليدخل معمدانية النار ويكتب بالسكين أشعارا حادة جارحة يستشعر قارئها نصل السكين وآلام جروحه. كانت صدمة الهزيمة فى 67 هى التى أحدثت هذا التحول لدى الشاعر الذى دأب منذ بداياته الشعرية فى الأربعينيات على مخاطبة العشاق شعرا، واتخاذ المخادع وأوكار الهوى ساحة لأشعاره التى صال فيها وجال راويا بالشعر أخبار غزواته وفتوحاته فى دنيا النساء. الهزيمة وعارها أوقفا هذا التيار الشعرى فتحولت الدفة الشعرية إلى مناطق أخرى.
أما بالنسبة لى، فعندما أنظر إلى العمر الذى مضى أرانى أقرب ما أكون لهذا المعنى الذى قصده نزار، فكثيرا ما وجدت نفسى ممتلئا حد التخمة بقصيدة شعر تقف أبياتها على الباب منتظرة أن أمد يدى وأقطفها، أو مشحونا بعمل روائى تتشكل فصوله وشخوصه وتمثُل أمامى بوضوح لا ينقصه سوى أن أتفرغ وأجلس لأكتبه.. لكن للأسف فإن الوطن الحزين لا يرحم ولا يترك لى فسحة لأكتب ما أحب. منذ فترة أرسل لى صديق عزيز رسالة قصيرة قال فيها: مقالك اليوم قاسٍ للغاية رغم حقيقة ما كتبت. فرددت عليه قائلا: أنا أعلم أنه كذلك ولست سعيدا بما كتبت.. ولكن ماذا أفعل؟ كل يوم جرح جديد وكل ساعة مفاجآت غادرة، حتى لم نعد قادرين على اتقاء الضربات الآتية من كل اتجاه، ولقد تكسرت النصالُ على النصال حتى لم يبق موضع فى الروح إلا وبه ضربة سيف أو طعنة خنجر. فهل يترك المرء كل هذا ويسكت عنه ثم يجلس ليكتب قصصا وأشعارا عن الحب والهوى!
كنت أحلم زمان بأنّ الإصلاح الزراعى الذى أنصف بعض الفلاحين وقامت هيئاته بتوزيع خمسة فدادين على كل فلاح تمنحنى بالمثل أفدنة خمسة، وتمنيت أن أبنى فى وسطهم بيتا صغيرا من الطوب اللبن على طريقة المعمارى حسن فتحى، وأن أزرع الأرض بيدى وردا وفلا وياسمينا ورياحين، وأبيع جزءا من الأزهار لأتعيش من ثمنها وأهدى الباقى لأصدقائى، وأجلس على باب البيت وبجوارى زير الماء البارد ثم أمد بصرى للأمام فأشاهد المروج الخضراء وأملأ من منظرها عينى ومخيلتى ثم لا أفعل شيئا سوى أن أكتب أشعارا تزيد وتكبر كل يوم لتشكل دواوين كثيرة أعصر فيها قلبى وأقدمه للعشاق.
هل ترون كيف هو حلم بسيط وساذج لدرجة أن يظنه البعض سهل المنال، لكن عشرات السنين مرت ولم يزد مرور السنين الحلم إلا ابتعادا، وأدركت بعد أن رأيت الحلم يفر من بين أصابعى ويركب الناقة ويشرخ فى البرية أننى تهورت بأكثر مما يجب وطلبت من الدنيا أكثر مما تستطيع أن تقدم لى، وأن ما حلمت به يفوق ما تمناه «على» ابن الريس عبد الواحد عندما ذهب يطلب يد إنجى من أبيها الباشا! وفهمت بعد فوات الأوان أننى مضيت بعيدا فى التحليق بالخيال ولم أتبن حلما يسهل تحقيقه. فحتى عندما أصبح شراء الأفدنة الخمسة ممكنا بعد رحلة حياة شاقة ومؤلمة.. أين هى النفس التى تقدر على كتابة شعر الحب والعاطفة، وأين هو الجلد السميك الذى يسمح بأن تشاهد الأوطان تستباح فى وضح النهار والخيانة تتسمى حكمة، والشيطان نتنياهو يجر البيدوفيلى ترامب ويدخله حربًا لا غرض منها سوى تدمير مقدرات دول المنطقة وتركيع الجميع ليمتطيهم مجرم الحرب ويفرض عليهم الجزية بعد أن يحقق مملكة يهوة ويمد دولته اللقيطة لتصير فعلًا من النيل إلى الفرات بعد اقتطاع أراض من سبع دول عربية. هل يمكن بعد أن شهدنا الإبادة الجماعية فى غزة وعشرات الآلاف من الأطفال يحترقون أمام أعيننا دون أن يجدوا وليًا ولا نصيرا.. هل نستطيع بعد أن تم تسوية غزة والجنوب اللبنانى بالأرض أن نعود إلى طبيعتنا التى كنا عليها قبل أن يغتصب الشعور بالقهر أرواحنا. هل يمكن بعد أن رأينا نتنياهو مجرم الحرب الذى تطارده الجنائية الدولية يسافر إلى كل مكان دون أن تستطيع يد أن تمتد إليه أو تقبض عليه.. هل يمكن أن نتظاهر بأن هذا لم يحدث وأن العالم بخير والقوانين الدولية تحكم تصرفات القادة، ثم ننغمس فى إنتاج الفن على طريقة مدرسة الفن للفن بصرف النظر عما يحدث للأوطان وللأهل! هل يمكن أن ندعى أننا لم نسمع ترامب وهو يهدد علنًا بارتكاب جرائم حرب وقصف المنشآت المدنية فى دولة كل جريمتها أنها رفضت الذل والهوان؟ هل بعد كل ذلك تجد فى نفسك القدرة والرغبة فى أن تجلس على شط القناية ساعة العصارى والهوا مهفهف مرتديا الجلباب الفلاحى المريح لتكتب أشعارا.
لعنة الله على من جرحوا القلب وشرخوا الروح وحرمونى من حياة حلوة أظننى كنت أستحقها!