خرج مؤتمر «كوب 30» الذى عقد فى نوفمبر 2025 فى البرازيل باتفاقية تمويلية تعزز التكيف مع تغير المناخ. كما تم من خلال المؤتمر إطلاق حوار حول التجارة المرتبطة بالمناخ، والتعهدات الطوعية بخفض انبعاثات الميثان وغاز الفحم أو ثانى أوكسيد الكربون. إلا أن المؤتمر لم يتمكن من الخروج بخطة واضحة تتيح «التخلص التدريجى» من الوقود الأحفورى، وهو ما اعترضت عليه دول عدة، وأدى إلى اعتقاد الكثيرين بأن نتائج المؤتمر لم تضمن الحد الأدنى من شروط العمل الجاد للحيلولة دون اسـتمرار تدهور مناخ الأرض.
من جهة أخرى، تبنى المؤتمر مقررات من بينها إعلان عن النية السـياسـية لمضاعفة تمويل التكيف مع تغير المناخ ثلاث مرات بحلول العام 2035. ومن المفترض أن يسـاعد تمويل التكيف الدول على مواجهة آثار تبدل المناخ، وذلك عبر مبادرات منها بناء طرق مقاومة للفيضانات، وتحسين تخزين المياه خلال فترات الجفاف، وتوسيع أنظمة الإنذار المبكر. كما تم الاتفاق على إطلاق حوار لمدة ثلاث سنوات لمناقشة التوترات التجارية المرتبطة بالتحول البيئى، بما فى ذلك الاعتراض على آليات مثل «حاجز الكربون».
وقد اعترضت أكثر من 30 دولة على المسـودة النهائية لمقررات المؤتمر بسبب عدم تلبيتها الشروط اللازمة للخروج باتفاق، كما انتقد المفوض السامى للأمم المتحدة لحقوق الإنسان نتائج المؤتمر ووصفها بأنها «ضعيفة».
العنصرية البيئية
قدمت السياسات واللوائح والقوانين المعتمدة خلال القرون الماضية فى دول مثل الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا أمثلة صارخة عن العنصرية البيئية. ومن تلك الأمثلة المثيرة للاهتمام على المستوى الأمريكى ما يسمى بـ «الخطوط الحمر» التى ترعى إدارة الإسكان الفيدرالية من خلالها خرائط المجتمعات المحلية. فقد أفادت التقارير بأن هذه الرعاية استمرت من العام 1934 إلى العام 1960، حيث تم خلالها تصنيف خرائط الأحياء باستخدام مقياس من أربع درجات؛ تمثل مواقع الدرجة الأولى المناطق المرغوبة إلى أبعد الحدود، مقابل مناطق الدرجة الرابعة، التى تم تمييزها باللون الأحمر، واعتبارها مواقع «خطرة». وأحياء الدرجة الرابعة هذه تعيش فيها مجتمعات من ذوى البشرة الملونة والمهاجرين، وعرف عنها أنها تتضمن مصادر تلوث بيئى كثيف. وعلى الرغم من أن قانون الإسكان العادل لعام 1968 كان قد حظر ذلك، غير أن تأثير هذه الممارسة، وفقا لتقرير صدر فى العام 2025، ظل قائما حتى اليوم.
تظهر بيانات إحصائية موثوقة بوضوح أن انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى ترتبط ارتباطا وثيقا بالدخل. حيث تتحمل أغنى الفئات مسئولية معظم الانبعاثات العالمية فيسهم 10 فى المائة من الأكثر غنى بما يقرب من نصف إجمالى انبعاثات الكربون العالمية، نظرا لأنماط استهلاكهم المسرفة واستثمار الكثير منهم فى صناعات ذات انبعاثات مرتفعة. من ناحية أخرى، يصدر أفقر 10 فى المائة من البشـر قسـطا أقل بكثير من الانبعاثات العالمية. كما تظهر إحدى أشمل الدراسات التى أجريت على الإطلاق حول تفاوت المناخ فى العالم أن فئة النخبة، التى تشكل 1 فى المائة من البشرية، مسئولة عن انبعاثات كربونية تفوق ما يسببه أفقر 66 فى المائة من سكان الأرض. وهكذا، فإن حوالى 77 مليون شخص، من أصحاب ثروات تقدر بملايين أو بلايين الدولارات وأصحاب الرواتب المرتفعة أسهموا بنسبة 16 فى المائة من إجمالى انبعاثات ثانى أوكسيد الكربون فى العام 2019؛ وهو ما يكفى للتسبب بالكثير من الوفيات بسبب الحرارة المرتفعة، مع معاناة المجتمعات الضعيفة والتكلفات الإضافية التى تتطلبها معالجة الطوارئ التى يتسـبب بها احترار المناخ، من حرائق وفيضانات فى أنحاء العالم.
وفى العديد من دول العالم، إن لم يكن فيها جميعا، فإن المرافق الملوثة، مثل مكبات النفايات، ومكبات النفايات الخطرة، ومحارق النفايات، ومحطات الطاقة، تقع بالقرب من المجتمعات ذات الدخل المنخفض والمواقع المخصصة للأقليات العرقية والمهاجرين واللاجئين؛ وهو الأمر الذى يؤدى إلى تلوث شديد للهواء وكذلك للمياه الجوفية، مع ما ينتج عن ذلك من مخاطر صحية جسـيمة على السكان. وقد تشمل هذه المخاطر أمراض الجهاز التنفسى مثل الربو، بالإضافة إلى الأمراض المعوية التى تشمل الكوليرا وحمى التيفوئيد والتسمم بالرصاص، وحتى الإصابة بأنواع معينة من السرطان. ومن الأمثلة على هذه المواقع امتداد يبلغ طوله 85 ميلا بين «باتون روج» فى ولاية لويزيانا و«نيو أورلينز» فى ولاية لويزيانا، والذى أضحى معروفا باسم «زقاق السرطان» بسبب ارتفاع معدل الإصابة بالسرطان الناجم عن مصافى النفط ومصانع البتروكيماويات والصناعات الكيميائية الأخرى بالقرب من المنازل. ويوفر «زقاق الربو» مثالا آخر؛ إذ أطلقت هذه التسـمية على موقع فى «برونكس» قرب نهر هارلم، نظرا إلى أن 17 فى المائة من الأطفال بعمر 13 عاما أو أقل يعانون من حالات الربو. ويعد هذان الموقعان مثالا بارزا على العنصرية البيئية.
تطوير المفاهيم والأولويات
يتطلب التصدى للعنصرية البيئية تحولات جذرية فى القيم والأولويات المجتمعية، تتحدى أوجه عدم المساواة الهيكلية وديناميات القوة التى تديم الظلم البيئى. ما يعنى الحاجة إلى رؤى تنموية أكثر استدامة وإنصافا، وإلى إدراك القيمة الجوهرية للطبيعة واحترام حقوق الأجيال المقبلة. وفى هذا الإطار، لا بد من الاعتراف بأن تغيير المسـلكيات القائمة التى أدت وتؤدى إلى ممارسـات العنصرية البيئية ليـس بالأمر اليسـير. ذلك أن هذا التغيير يتمثل فى نهاية المطاف ببناء مجتمعات أكثر عدلًا يتمتع فيها الجميع بحقهم فى العيش فى بيئة صحية، والإدراك بأن حماية البيئة والعدالة الاجتماعية أمران متلازمان وضروريان لتحقيق تقدم شامل ومستدام.
ومن الحجج الشائعة المضادة لسردية العنصرية البيئية أن الظروف التى تعانى منها المجتمعات المهمشة ناجمة عن الفقر وليس عن العنصرية. لكن الأدلة المتاحة تشير إلى غير ذلك. فعلى سبيل المثال، يشـير تقرير صدر عن «وكالة حماية البيئة الأمريكية» فى فبراير 2018 إلى أن «التفاوت فى التعرض لانبعاثات الجسيمات الدقيقة بين الملونين هو أكثر وضوحًا من التفاوت المسـتند إلى مسـتويات الدخل».
فى نهاية المطاف، ينبغى الإقرار بأن جذور العنصرية البيئية معقدة وتشترك فيها أنماط وخصائص أخرى من الظلم الاجتماعى، من أبرزها نقص الموارد الكفيلة بتوفير حياة صحية فى مجتمعات الأقليات. فالفئات الأكثر ثراء بمقدورها الحيلولة دون بناء منشـئات ذات أخطار بيئية فى المناطق القريبة من المناطق التى يقطنونها، بينما تفشـل مجتمعات الأقليات، ذات النفوذ السياسى الضئيل والموارد الاقتصادية المحدودة، فى الوصول إلى آليات فعالة مشـابهة. ومن أسباب استمرار العنصرية البيئية فى العديد من بلدان العالم اليوم أن الأقليات غالبا ما تكون غير ممثلة البتة أو ممثلة على نحو رمزى فقط فى السـلطتين التشريعية والتنفيذية للحكومات فى الدول المتقدمة والنامية على حد سـواء؛ ما يؤدى إلى انعدام المساءلة فى ما يتعلق بتطبيق لوائح بيئية فعالة ومنصفة، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بالمجتمعات المهمشة.
عمر الفاروق البزرى
مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى:
https://bitly.cx/kC8f