منذ ربع قرن فقط كان التدخين مباحًا ومسموحًا به فى كل مكان بالعالم. لم يكن هناك حظر للتدخين بالمطارات ومحطات القطار وداخل المسارح ودور العرض السينمائى ولا فى وسائل المواصلات من ترام وباص وتاكسى وخلافه. وكان بإمكان المدخن أن يشعل سيجارته داخل الطائرة ويوزع دخانها على جميع من حوله دون أن يشعر بأى حرج، والأغرب دون أن يشعر على الأرجح غير المدخنين بالاستياء ممن يشركهم فى سيجارته رغم أنوفهم!
كانت الثقافة السائدة تعلى من شأن المدخن خاصة أن أفلام السينما كانت لا يكاد يظهر بها نجم دون أن تكون بيده سيجارة.. وكانت الإعلانات بالصحف والتليفزيون تحرص على أن تقرن الرجولة واللحظات الحلوة بالسيجارة.
كل هذا كان يحدث بالخارج فى دول الغرب التى تنتج الأنواع الشهيرة من السجائر، وكانت بلادنا بطبيعة الحال تتبعهم كالمسحورة وتحذو حذوهم دون تفكير، وتنقل عنهم أسوأ عاداتهم دون أن يكون لها رأى فى الموضوع. بالطبع لم يكن خافيًا على الأطباء أضرار التدخين، ولم تكن معرفة آثارها المدمرة كشفًا علميًا جديدًا، ورغم ذلك استمر الناس يدخنون فى سعادة.
ثم تغيرت الظروف فى الغرب وبدأ العقلاء يدركون فداحة التدخين ويضغطون بقوة فى اتجاه محاصرته وتحجيم آثاره، فبدأوا يقسمون المقاعد على الطائرات إلى مقاعد للمدخنين وأخرى لغير المدخنين.. صحيح أن الأمر بدا مضحكًا عندما كنت تجد مقعدك لغير المدخنين فى حين أن المقعد المجاور لك مسموح لمن يشغله بالتدخين، لكنها كانت بداية لانحسار الظاهرة، والأمر نفسه حدث فى الأماكن العامة من مطاعم ومقاه ووسائل مواصلات.. وبالتدريج صارت أماكن المدخنين تتقلص وأماكن عدم التدخين تتسع، وفى كل هذا لم يكن لنا رأى.. عندما كانوا يشجعون على التدخين كنا نهلل له، ولما بدأوا يضيقون على المدخنين أخذنا نقلدهم، وفى النهاية حظروا التدخين نهائيًا فى كل الأماكن العامة ولم يعد بوسع المرء أن يدخن إلا فى الشارع أو داخل بيته، فقمنا مثلهم برفع لافتات تمنع التدخين فى كل مكان (ولو أن الرخاوة لدينا لم تسمح لهذه القوانين بالتطبيق) والآن ليس لدىّ شك فى أنهم لو عادوا وسمحوا بالتدخين فى أوروبا وأمريكا مثلما كانوا يفعلون فى السابق لأى سبب من الأسباب فإننا سنعود تلقائيًا ودون تفكير لنتغنى بجمال التدخين وستملأ إعلاناته شاشاتنا وسوف نترك الدخان يخنقنا دون أن نشكو!
وليس التدخين هو الأمر الوحيد الذى تتجلى فيه تبعيتنا العمياء للغرب وانقيادنا لهم دون تبصر وإنما هو مجرد مثال، وإذا أردنا أمثلة أخرى فالجعبة مملوؤة. هناك مثلًا قرار شركات الطيران الغربية بالاستغناء عن التذاكر الورقية وحلول التذاكر الإلكترونية محلها، وهو القرار الذى انصاعت له شركات الطيران العربية وفى بلاد العالم الثالث دون أن تدرى له سببًا. قالوا إن إلغاء التذاكر الورق سيوفر دولارًا ونصف هو ثمن طبع التذكرة، وهى حجة مضحكة كما ترون خاصة وأن الراكب لم يكن يشكو من المبلغ الضئيل، فضلًا عن أنهم لم يتوقفوا عن إعطاء الراكب ورقة مكتوب بها اسمه وبيانات رحلته وأساس حساب السعر ثم المبلغ المدفوع ورقم الحجز.. أى إنها تذكرة ورقية فى شكل جديد! فما الفائدة من إلغاء التذكرة إذًا؟ لن تجد إلا إجابات مائعة من عينة أن البيانات كلها أصبحت محفوظة الآن فى الكمبيوتر وليس فى التذكرة، فإذا سألتهم وهل أيام التذاكر الورقية لم تكن البيانات محفوظة فى الكمبيوتر أو لم تكن إمكانية حفظها قائمة فإنهم يسكتون ويتمنون أن تخرس وتكف عن أسئلتك البايخة التى لم تسألها لهم شركة طيران عربية واحدة، ولكن وقفت جميعًا فى الطابور ونفذت التعليمات التى لم تشارك فى صنعها.
وإحقاقًا للحق فإن كل القرارات التى يأخذونها فى الغرب وتكون ملزمة للجميع كإحدى تجليات العولمة لا يأخذونها فى غيابنا، وإنما نكون حاضرين أثناء إتخاذها ولكن لا نبدى بشأنها أى رأى، ثم نصبح بعد ذلك مطالبين بتنفيذها حتى لو كانت سخيفة وبلا معنى. وأعتقد أننا من طول ما تعودنا على الكسل والبلادة الذهنية أصبحنا نشعر بالامتنان للغرب الذى أراحنا من عناء التفكير وأصبح يشتغل ويأخذ القرارات بدلًا منا، كما أظن أننا صرنا نعتقد بما أننا خير أمة أخرجت للناس أن الله الذى سخر لنا السائمة والأنعام قد أكرمنا فسخّر لنا الخواجة أيضًا! ودائمًا يمضى السيناريو كالتالى: يبدأ المواطن الغربى بالشكوى مما يضره ويحشد مؤسسات المجتمع المدنى لنصرة قضيته، فتنصاع له حكومته المنتخبة التى لا تستطيع تجاهله، ثم تنجّر حكوماتنا وتجرنا معها، وكأن المواطن الغربى أصبح هو الذى يحس ويتأثر لنا ويشعر نيابة عنا ويأخذ القرارات التى تصير ملزمة لنا بعد ذلك.
أعتقد أن الأمور طالما ظلت على هذا النحو فإنه يتوجب على الشيوخ والأئمة والكهنة والأحبار أن يكون دعاؤهم من فوق المنابر للخواجة الذى يفكر عنا ويخترع بدلًا منا ويسعى لتحسين نوعية الحياة، ولعل الدعاء أن يكون صادقًا ومن القلب خشية أن يضل الخواجة ويخطىء فنضل معه ونتعرض للضرر، بينما نحن أناس طيبون لا نهشّ ولا ننشّ ولا نقول للملك كشّ!