الطيبون.. و«الطيبات»! - خالد سيد أحمد - بوابة الشروق
الجمعة 1 مايو 2026 11:31 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الطيبون.. و«الطيبات»!

نشر فى : الجمعة 1 مايو 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الجمعة 1 مايو 2026 - 6:15 م

أخطر ما فى تجربة الطبيب الراحل ضياء العوضى، الذى طرح نظاما غذائيا يُسمى «الطيبات»، يزعم من خلاله القدرة على معالجة الأمراض من دون الحاجة إلى استخدام الأدوية الطبية، هو الترويج لفكرة مخاصمة العلم فى بيئة تبدو مهيأة ومستعدة للتجاوب معها، لا سيما إذا تم تغليفها بقشرة دينية رقيقة تمنحها حصانة من التشكيك والنقد والمراجعة.


ربما يتساءل البعض: ما الجديد فى ذلك؟.. فكثير من التوجهات والسياسات التى لها تأثير مباشر على كافة مناحى الحياة فى المجتمع تبتعد كثيرا عن الأسس العلمية، وتتجاهل ما وصلت إليه الرؤى والأبحاث والدراسات الأكاديمية فى هذا الشأن، بل وقد نجد من يعتبرها غير ذى جدوى فى الظرف الراهن الذى يحتاج إلى جهود مضاعفة للتغلب على مشكلاته وتحدياته الكثيرة والمعقدة.


ربما يكون هذا الكلام صحيحا فى بعض المجالات، لكن فى مجال الطب والصحة العامة لا يمكن أبدا القبول أو الاعتداد بأى أفكار ورؤى تُطرح على الملأ لمعالجة الأمراض من دون أدلة وحقائق وبراهين تثبتها التجارب العلمية الدقيقة، لأن الأمر هنا يتعلق بخيارين لا ثالث لهما.. إما الحياة أو الموت، ولا يصح مطلقا العبث بالقواعد العلمية الراسخة أو التمرد عليها من أجل تحقيق الشهرة والانتشار فى أوساط جمهور الطيبين الذين يميلون إلى من يفك كربهم ويشفى أمراضا حتى ولو عن طريق الخرافة.


نقابة الأطباء عندما أقدمت على شطب الطبيب الراحل من سجلاتها، قالت فى حيثيات قرارها إن «الخطاب الطبى الذى قدمه للجمهور اتسم بالقطع والجزم فى قضايا طبية معقدة، مع تقديم استنتاجات غير مثبتة على أنها حقائق علمية، وهو ما يخالف مبادئ الطب المبنى على الدليل ويشكل خطرا على الصحة العامة، خاصة فى ظل اعتماد بعض المرضى على ما يُنشر عبر المنصات الرقمية كمصدر للمعلومات الطبية».


حسنا فعلت نقابة الأطباء بالتصدى للأفكار والأطروحات غير العلمية التى قدمها الطبيب الراحل، لكنها لن تمنع بالتأكيد تكرار ظهور مثل هذه النماذج مستقبلا طالما لم تتغير البيئة العامة فى المجتمع، وهنا يأتى دور الدولة التى يجب عليها الإيمان بأن التقدم الحقيقى لن يتحقق إلا من خلال العلم، الأمر الذى يتطلب منها العمل بشكل أكبر على رفع كفاءة المنظومة التعليمية، حتى تستطيع تخريج أجيال تعتمد التفكير العلمى منهجا وطريقا وتنبذ الخرافة والجهل.


الدكتور أسامة حمدى، أستاذ أمراض الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأمريكية، يؤكد ضرورة التركيز على العلم الحقيقى الذى يكفل وحده تقدم الدول، حيث ذكر على حسابه على الفيسبوك أن «كل الشعوب التى تقدمت احترمت العلم وابتعدت عن العلم الزائف والخرافة، بل وقننت من إجراء الأبحاث العلمية على البشر للحفاظ على صحتهم وسلامتهم.. فلا يمكن أن توافق مثلا على أن تجرى تجربة على البشر بافتراضية غير منطقية وتشكل خطورة بالغة على صحة من يدخل هذه التجربة، كأن توقف عنهم شرب الماء، أو أن تعطى مرضى السكر كمية كبيرة من السكر، أو أن توقف علاجهم بالإنسولين لترى هل تحسنوا أم لا؟!».


ليس هذا فقط، بل يجب على الدولة إعادة الثقة للمنظومة الطبية عن طريق رفع كفاءة المستشفيات ودعم الأطباء وتوفير العلاج للغالبية العظمى من المواطنين الذين لا يستطيعون دفع تكاليفه، ومن ثمّ ينساقون مجبرين وراء كل من يوجه لهم خطابا زائفا، يزعم من خلاله القدرة على علاج أمراضهم ومشكلاتهم الصحية بوصفات غير علمية تشكل ضررا كبيرا على حياتهم.


أيضا هناك دور مهم على بعض وسائل الإعلام، التى يجب عليها التدقيق جيدا فى المحتوى الذى تقدمه للجمهور، وألا تفتح نوافذها - طمعا فى الانتشار - أمام من يزدرون العلم ويروجون للجهل والخرافة، وأن تتمسك بدورها الحقيقى المتمثل فى كشف الحقائق ونشر الثقافة وتنوير العقول فى المجتمع، بدلا من أن تكون وسيلة لتضليله وتغييبه.

 

التعليقات