مستقبل علوم الكمبيوتر فى خطر - محمد زهران - بوابة الشروق
السبت 2 مايو 2026 8:59 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

مستقبل علوم الكمبيوتر فى خطر

نشر فى : الجمعة 1 مايو 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الجمعة 1 مايو 2026 - 6:30 م

هل يقضى الذكاء الاصطناعى على أقسام علوم الكمبيوتر الحالية؟
هل السعى وراء الموضة العلمية سيئ؟
ما الحل؟


منذ مدة قصيرة كنت أتابع مقالا افتتاحيا فى مجلة متخصصة فى علوم الكمبيوتر وكان عنوان المقال «الكمبيوتر هو حقا تخصص فى مأزق»، الموضوع يحتاج تفكيرا، خاصة فى عصر أصبح الذكاء الاصطناعى هو موضة العصر وهو من علوم الكمبيوتر، فكيف يكون التخصص فى خطر؟ بعد بعض التفكير والبحث فى الإحصائيات المتعلقة بالدارسين لهذا المجال، إذا أضفنا إلى هذا أن كاتب هذه السطور فى لجنة القبول للدراسات العليا فى قسم الكمبيوتر منذ سنوات بالجامعة التى أعمل بها فقد قررت مشاركة القارئ الكريم وجهة نظرى المتعلقة بأقسام الكمبيوتر وتطورها المرجو فى المستقبل القريب.


• • •
بعض النقاط المقلقة
هناك عدة نقاط مقلقة فعلا بدأت تظهر بوادرها:
• تقرير نشرته جامعة (MIT) المرموقة بعنوان «حالة الذكاء الاصطناعى فى الشركات 2025» يشير إلى أن 95% من الاستثمارات فى الذكاء الاصطناعى لا تسفر عن أى عائد، وأن أغلب الشركات لا تستخدم الذكاء الاصطناعى بشكل كامل لكن العاملين فيها يستخدمونه بشكل فردى.


• شركة (Llyod’s of London) المتخصصة فى إدارة التأمينات أصبحت تدير تأمينات عن أخطار استخدام الذكاء الاصطناعى فى الإنتاج والخدمات.


• مقالات عديدة ظهرت فى مجلة (The Telegraph) تحذر من انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعى، انظر مثلا مقالا بعنوان «الخريف الجديد للذكاء الاصطناعى قادم» بقلم أندرو أورلوسكى بتاريخ 24 أغسطس سنة 2025. وأحب أن أدعو القارئ الكريم إلى مراجعة مقال لكاتب هذه السطور بعنوان «فقاعة الذكاء الاصطناعى.. المالية والتكنولوجية» بتاريخ 24 أكتوبر 2025، ومقال بعنوان «مستقبل مجهول لاقتصاديات الذكاء الاصطناعى» بتاريخ 6 مارس 2026.


• الاستثمار الضخم فى الذكاء الاصطناعى نابع من الخوف من فوات الفرصة (Fear of Missing Out)، أى إن المستثمرين والشركات تخاف ألا تستثمر فى هذه التكنولوجيا وبالتالى تفقد فرصة أرباح كبيرة، لكن هذا السبب أصبح يفقد رونقه مع هذه الاضطرابات الاقتصادية التى ذكرناها.


ما ذكرناه أعلاه هو عن تكنولوجيا أصبح الكثيرون يعتبرونها المحرك الأساسى للدراسة فى أقسام علوم الكمبيوتر، بل أصبحت هناك أقسام تسمى بأقسام الذكاء الاصطناعى فى بعض الجامعات. فهل أقسام الكمبيوتر فى خطر؟

 

• • •
نحن مقبلون على عهد جديد
جريدة النيويورك تايمز الشهيرة نشرت مقالا بتاريخ 10 أغسطس 2025 بعنوان «وداعا للوظائف التقنية ذات ال165000 دولار مرتب» أو (Goodbye, $165,000 Tech Jobs)، هذا المقال يقول إن خريجى أقسام علوم الكمبيوتر من سن 22-27 يواجهون البطالة، نسبة البطالة حوالى 6.1% وهو أعلى من نسبة البطالة فى تخصصات مثل الأحياء وتاريخ الفن. هذا المقال يثير الكثير من القلق والحيرة فى آن واحد، البطالة التى يتكلم عنها المقال تأتى من استخدام الشركات لأدوات الذكاء الاصطناعى فى البرمجة، وبالتالى تحتاج إلى عدد أقل من المبرمجين، وفى نفس الوقت كما ذكرنا يواجه الذكاء الاصطناعى مشكلة، كيف نوفق بين هذين الرأيين؟


أعتقد أن ما تم إنجازه فى مجال الذكاء الاصطناعى سيقوم فعلا بتغيير طريقة العمل فى كثير من المجالات أهمها البرمجة، لكن تطور الذكاء الاصطناعى فى المستقبل لن يكون بالسرعة التى نتوقعها، وذلك لأسباب اقتصادية وتقنية كما ذكرنا أعلاه وكما تحدثنا باستفاضة فى مقالى كاتب هذه السطور التى ذكرناهما.


مشكلات أقسام علوم الكمبيوتر تختلف تبعا للدولة التى يقع فيها القسم: هل هى من الدول المتقدمة أم النامية؟


لنأخذ أمريكا كنموذج للدول المتقدمة ولأننى أمتلك بعض الخبرة بجامعاتها:
• أغلب طلبة الدراسات العليا (ماجستير ودكتوراه) من الأجانب الذين يدخلون أمريكا بفيزا، الظروف الحالية جعلت الحصول على الفيزا صعبًا إن لم يكن مستحيلًا، مما يهدد أعداد الطلبة فى الجامعات الأمريكية، وحيث أن أغلب البحث العلمى فى أمريكا يقام فى الجامعات بأيدى طلبة الدراسات العليا فإن مستقبل البحث العلمى وتمويل الأبحاث أصبح مهددا، وبالتالى مستقبل أقسام الكمبيوتر التى كانت تعتبر وحتى وقت قريب من أكبر الأقسام فى الجامعات الأمريكية.


• صعوبة الحصول على وظائف بعد التخرج من قسم علوم الكمبيوتر كما ذكرنا قد تجعل هذا التخصص أقل جاذبية فى المستقبل.


أما إذا تكلمنا عن الدول النامية فهناك مصاعب مختلفة لأقسام الكمبيوتر:
• هناك بعض الأقسام تجرى وراء «الموضة العلمية»، إذا تكلم العالم عن الذكاء الاصطناعى ستجد أغلب أعضاء أقسام الكمبيوتر يتكلمون كخبراء فى الذكاء الاصطناعى، وإذا نظرت إلى أبحاثهم المنشورة فسوف لن تجد بحثا واحدا فى المجال، أو تجد أبحاثا فى مجلات ومؤتمرات محلية ضعيفة، هذا بالطبع ينعكس على جودة التعليم. ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعى خارج الموضة وأصبح المجتمع العلمى العالمى يتكلم عن الحاسبات الكمية، هل سنجد أعضاء هيئات التدريس يتحولون إلى باحثين فى مجال الحاسبات الكمية؟ قد يقول قائل لكن يجب أن يساير القسم التقدم العلمى والتكنولوجى، وهذا حقيقى، لكن يحدث بطريقة متدرجة: إذا أراد قسم علوم الكمبيوتر فى جامعة معينة أن يُدخل تخصص الذكاء الاصطناعى (كمثال وينطبق ذلك على أى تخصص جديد) فعليه تعيين عضو هيئة تدريس متخصص فعلا فى هذا المجال كما تشير أبحاثه، أما بقية طاقم هيئة التدريس فعليه استكمال أبحاثه كل فى تخصصه لكن يحاول إدماج تخصصه مع التخصص الجديد إن أمكن، أما إذا لم يمكن فليكمل فى أبحاثه التى يبرع فيها، فالعالم يحتاج كل التخصصات.


• الدول النامية عادة تعانى من بيروقراطية قاتلة، وهذا يظهر جليا فى الأقسام الأكاديمية، كم يستغرق من الوقت تغيير محتوى مادة دراسية؟ أو إدخال مادة جديدة؟ ما الحرية التى يحصل عليها عضو هيئة التدريس عند اختيار المواد التى سيقوم بتدريسها ومحتوى تلك المواد؟


• هل أقسام علوم الكمبيوتر مرتبطة فعلا بسوق العمل فى الدول النامية؟ أدعو القارئ الكريم لمراجعة مقالى المنشور بتاريخ 3 أبريل 2026 بعنوان «التعليم الجامعى بين الاحتياج الاقتصادى والرغبة الفردية».


• • •


ما تحتاجه أقسام الكمبيوتر فى المستقبل
إذا حاولنا إيجاد روشتة سريعة لتحسين أوضاع أقسام الكمبيوتر فى المستقبل القريب يمكننا أن نقول:
• على القسم أن يختار تخصصا واحده يكون هو نقطة قوته فى المجال البحثى، أى يتم تعيين عدة أساتذة فى هذا المجال، التعاون الأكاديمى يثمر أكثر من العمل الفردى، هذا طبعا لا ينفى تدريس جميع المواد الأساسية للطلبة.


• أقسام الكمبيوتر يجب أن تتبادل الخبرة التدريسية فيما بينها، مثلا قسم الكمبيوتر فى جامعة معينة نقطة قوته فى مجال ما، خبراء هذا المجال يمكنهم وضع مناهج لتلك المواد ومشاركتها مع الجامعات الأخرى، وبالتالى تصبح جميع الأقسام عندها مناهج قوية فى مختلف المجالات.


• يجب التخلص من البيروقراطية القاتلة، حرية تغيير محتوى المناهج يجب ألا يحتاج مجلس قسم وكلية إلخ.


هذه روشتة بالخطوط العريضة فقط، هناك نقاط أخرى عديدة مثل استخدام الذكاء الاصطناعى فى العملية التعليمية وقد تكلمنا عنها فى مقالات سابقة، وكيفية تدريس فلسفة كل تخصص علمى وعلاقة المواد ببعضها إلخ.
• • •


الذكاء الاصطناعى سيعيد تشكيل العديد من الأشياء فى حياتنا منها أقسام علوم الكمبيوتر، إعادة التشكيل هذه ليست بالضرورة شيئا سيئا، لكن علينا أن ننتبه لها ونبنى استراتيجية للحصول على أفضل النتائج ولا نتمسك بالقديم من باب مقاومة التغيير.

 

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات