من طهران إلى أنقرة.. كيف أعادت حرب 2026 رسم الشرق الأوسط؟ - معتمر أمين - بوابة الشروق
السبت 16 مايو 2026 4:19 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

من طهران إلى أنقرة.. كيف أعادت حرب 2026 رسم الشرق الأوسط؟

نشر فى : الجمعة 15 مايو 2026 - 6:00 ص | آخر تحديث : الجمعة 15 مايو 2026 - 6:04 م

شكّلت حربُ 2026 على إيران لحظة انكشاف استراتيجى، ليس لأنها أظهرت حدود تأثير القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، بل لأنها كشفت، وبشكل لم يعد يحتمل التأويل، حقيقة الخطط الأمريكية – الإسرائيلية فى الشرق الأوسط. فبينما كانت الصواريخ تتساقط على طهران والتوتر يشتعل فى مضيق هرمز، أخذت المنطقة ترى بأم عينها مشروعا جديدا لـتفتيت الشرق الأوسط وإعادة رسم خرائطه، وهو المشروع الذى سبق أن أشارت إليه تقارير استخباراتية بأن حكومة اليمين المتطرف فى إسرائيل، التى تعثرت فى إيران، تستغل حالة عدم الاستقرار لتنفيذ أجندتها التوسعية على حساب الدول العربية.


بداية نتوقف أمام مسألة تأثير استعمال القوة فى تحقيق الأهداف. فلطالما روّجت أوساط أمريكية وإسرائيلية لفكرة أن القصف الجوى يمكنه كسر إرادة إيران. لكن الوقائع التى تسربت من مجتمع الاستخبارات الأمريكى كشفت أن 75% من المنصات المتحركة للصواريخ الباليستية والكروز الإيرانية لا تزال سليمة، وأن 90% من المنصات تحت الأرض لم تُمس، فضلا عن بقاء 30 موقعًا صاروخيًا من أصل 33 على الخليج العربى جاهزة للرد. وفى نفس السياق، استنزفت الترسانة الأمريكية، حيث ضربت إيران بأكثر من 1100 صاروخ توماهوك، بينما لا يتجاوز إنتاجها السنوى 100 صاروخ فقط. بمعنى أن واشنطن تحتاج إلى 10 سنوات لتعويض ما استهلكته فى أسابيع. فهل هذا الوضع يجعلها قادرة على خوض جولة جديدة، ناهيك عن فتح جبهة ثالثة إلى جانب إيران وأوكرانيا. وبالتالى، تأثير استعمال القوة يتراجع وأى محاولة لتصعيد إسرائيلى جديد ستجد حليفا أمريكيا منهكا. 


لم تكن الصورة قاتمة على جبهة إيران فقط، بل امتدت إلى الملف الفلسطينى نفسه الذى لا يحظى بالقدر الكافى من الاهتمام. فخطة ترامب لإعادة إعمار غزة عبر مجلس السلام الذى أسسه الرئيس الأمريكى، تصدعت منذ البداية بسبب أزمة مالية خانقة. وكشفت وكالة رويترز أن المجلس لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها، ما حال دون دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى القطاع. ثلاث دول فقط من بين العشرة التى تعهدت بتقديم أموال هى التى أوفت بالتزاماتها. وهو أمر متوقع فى ظل الأزمة الاقتصادية المزمنة، جراء إغلاق مضيق هرمز، فالتضخم يقفز، وأسعار النفط والغاز والأسمدة والهيليوم والألومنيوم فى ارتفاع قياسى. وبينما تشترط إسرائيل وأمريكا نزع سلاح حماس دون مساومة، تواصل لجنة إدارة غزة عجزها عن العمل بسبب الخلافات الداخلية والخارجية، مما يهدد بتجدد الحرب أو بقاء الوضع الراهن الذى لا يخدم أحدا إلا من يريد إطالة أمد الأزمة. 


• • •
فى هذا السياق، تتزايد التهديدات المتراكمة على الحدود المصرية، من تعزيزات إسرائيلية قرب رفح، وانتشار الجيش الإسرائيلى فى محور فيلادلفيا، ومطالب علنية من نتنياهو للضغط على مصر لتقليص وجودها العسكرى فى سيناء. هذه التطورات دفعت القاهرة إلى التعامل مع الملف باعتباره قضية أمن قومى مباشر، وليس مجرد تطور مرتبط بالحرب فى غزة. فجاءت مناورات «بدر 2026» التى أجراها الجيش المصرى، والتى بدت، رغم توصيفها الرسمى كمناورات دورية، أقرب إلى رسالة ردع سياسية وعسكرية متعددة الاتجاهات. فالمناورة شملت تدريبات بالذخيرة الحية، شاركت فيها تشكيلات من مختلف أفرع القوات المسلحة المصرية، بما فى ذلك القوات الجوية والدفاع الجوى والقوات الخاصة.


الأهمية الحقيقية لهذه المناورات لم تكن فى حجمها فقط، بل فى طبيعة السيناريوهات التى تم التدريب عليها. فبحسب التقارير، حاكت التدريبات لأول مرة سيناريوهات مرتبطة باحتمالات اختراق الحدود الشرقية، وتأمين طرقها ومحاورها فى ظروف حرب معقدة، إضافة إلى الحفاظ على الاتصالات والقيادة والسيطرة فى ظل عمليات تشويش إلكترونى واسعة. وهى سيناريوهات تعكس بوضوح إدراك القاهرة أن مرحلة ما بعد حرب إيران تختلف جذريا عن المراحل السابقة. هذا التحول فى التفكير المصرى جاء نتيجة قناعة متزايدة بأن قواعد الاشتباك التقليدية فى المنطقة لم تعد قائمة. فالحرب على إيران أظهرت أن إسرائيل باتت أكثر استعدادا للقيام بعمليات عسكرية واسعة تتجاوز الحسابات التقليدية، وأن الولايات المتحدة بالرغم من استنزافها لكنها مستعدة لدعم ترتيبات إقليمية أكثر حدة لإعادة تشكيل موازين القوة لصالح إسرائيل.


• • • 
لكن رغم الضجيج الإعلامى الإسرائيلى حول مناورات «بدر 2026» ومحاولة تصويرها كرسالة عدائية، فإن مؤشرات عديدة توحى بأن مركز الاهتمام الإسرائيلى الحقيقى يتجه نحو تركيا أكثر من مصر. فالتصعيد الإعلامى ضد القاهرة بدا فى جانب منه محاولة لصرف الانتباه عن تحولات أعمق تشهدها البيئة الاستراتيجية فى شرق المتوسط. وقد تعزز هذا الاتجاه بعد التطور اللافت فى الصناعات الدفاعية التركية خلال الأعوام الأخيرة، والذى ظهر بصورة أوضح فى معرض الصناعات الدفاعية «ساها 2026» فى إسطنبول. فالكشف عن منظومات صاروخية متطورة، بينها صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، أثار نقاشا واسعا داخل الأوساط الأمنية والإعلامية الإسرائيلية بشأن مستقبل التوازن العسكرى فى المنطقة.


ترى دوائر إسرائيلية أن التحول التركى لا يتعلق فقط بتحديث القدرات الدفاعية، بل بتغير أوسع فى العقيدة الاستراتيجية لأنقرة، يقوم على بناء قوة عسكرية وصناعية مستقلة قادرة على فرض نفوذ إقليمى واسع. ويزداد هذا القلق مع التوسع الكبير فى صادرات الصناعات الدفاعية التركية، وتنامى شبكة العلاقات العسكرية لأنقرة مع عدد من الدول فى آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط. لهذا السبب، بدأت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية تتبنى خطابا يربط بين تنامى القدرات التركية وما تصفه بـالتهديدات المستقبلية للتفوق الإسرائيلى، فى تكرار لخطاب سبق استخدامه تجاه إيران. وبالنسبة لعدد من المحللين، فإن مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار مع إيران قد تشهد انتقال التركيز الإسرائيلى تدريجيا نحو احتواء الدور التركى سياسيا وعسكريا.


الخلاصة، تشير البوصلة الاستراتيجية بوضوح إلى أن المشروع الأمريكى –الإسرائيلى الذى أظهرت حرب إيران وجهه القاسى هو مشروع لإعادة تشكيل المنطقة، وتتموضع كل من القاهرة وأنقرة فى صميمه. فبينما تستعد مصر عبر مناورات «بدر 2026» لأسوأ السيناريوهات المحتملة، تظل تركيا الهدف الأبرز، حيث يُتوقع أن تشهد الأشهر، وليس السنوات، بعد أى اتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران تحركات إسرائيلية فعلية محتملة ضد أنقرة.

 
القاهرة تدرك هذه التحولات، وتراقب اتساع رقعة الصراع الإقليمى المتصاعد. أما تركيا، فتصطدم بقلق إسرائيلى غير مسبوق من صعودها العسكرى والتكنولوجى، كما عبرت عنه الصحافة الإسرائيلية وكثير من الساسة، ما قد يقود المنطقة إلى استقطاب حاد إقليمى متصاعد. الشرق الأوسط الذى نعرفه قد تغير، وزمن الهيمنة المطلقة قد ولى، كما أن هناك توازنات جديدة آخذة فى التشكل، وقد يُكتب الفصل المقبل فى أنقرة.


باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

معتمر أمين باحث في مجال السياسة والعلاقات الدولية
التعليقات