فى اللا جَدوى - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
السبت 16 مايو 2026 7:52 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

فى اللا جَدوى

نشر فى : الجمعة 15 مايو 2026 - 6:10 م | آخر تحديث : الجمعة 15 مايو 2026 - 6:10 م

فى إحدى المناسبات السَّعيدة، ارتفع الغناءُ بين جُدران القاعة الرَّحبة؛ فكاد يصمُّ أسماعَ الحاضرين. تعالت الشكوى من هنا وهناك، طلب بعضُ الناس خفضَ الصَّوت وانتظر النتيجة؛ لكن شيئًا لم يتبدل. مرةً واثنتين والمَوقف على حاله؛ إلى أن انفجرَ أحد المَدعويين فى مدير القاعة وأشاح بيده: "هو أنا بادَّن فى مالطا؟".
• • •
مالطا جزيرةٌ صغيرة فى البحر المتوسط، تاريخها حافلٌ وقديم، ويرجع المأثور المُتداوَل بشأنها إلى روايات متنوعة؛ أكثرها تكرارًا أن شيخًا مغربيًا نزل إلى أرض الجزيرة، وانشغل بتحديد القِبلة، ثم حان وقتُ الصَّلاة فأذَّن، وانتظر أن ينضمَّ إليه الناس؛ لكن انتظارَه طال فصَلى وحيدًا حتى انتهى، وأدرك من ساعتها ألا فائدة تُرجَى من رفع الآذان هناك، وباتت الواقعة مَضربًا للأمثال؛ متى نادى الواحد غابت الاستجابةُ، وأنَّى كرَّر نداءَه ورفع صوتَه؛ تبخَّر جَهده فى الهواء.
• • •
يأتى هذا البيت الشهير: «قد أسمَعت لو ناديت حيًا.. ولكن لا حياة لمَن تُنادى»، ضِمن قصيدة مَنسوبة لفارس العرب عمرو الزبيدى، ويُقال إن كلًّا من بشَّار بن بُرد، ودريد بن الصمة، وكَثير عُزة؛ اقتبسوه ودمجوه فى قصائد تخصُّهم، ومثلهم فعل رفاعة الطهطاوى، والخُلاصَة أن المعنى مُستقرٌ فى الأذهان، حاضرٌ فى الواقع، وأن الزبيدى قد عبَّر عنه على خير ما يكون، لا سيَّما وقد أكده ببيتٍ إضافيّ يقول: "ولو نارًا نفخت بها أضاءت.. ولكن أنت تنفُخ فى رَماد".
• • •
إذ يبذل الواحد جهدًا حثيثًا بلا طائل؛ ينصَحه الناسُ بالكفّ لئلا يصبح كمَن "يَحرثُ فى البَحر". المَجازُ هنا دالٌّ ملمُوس؛ فالمياه السَّائلة لن تحملْ أثرًا مهما تعرَّضت للحَرث والتقليب؛ على غير ما يُرى فى التربة المُتماسِكة.
• • •
يقول أبو العلاء المعريّ؛ إمام المتشائمين وقبلتهم: "غير مُجدٍ فى ملَّتى واعتقادى.. نوح باكٍ ولا ترنُّم شادى.. وشبيه صَوتُ النعيّ إذا قِيسَ.. بصَوتِ البشيرِ فى كلّ نادي". نصوصُ أبى العلاء تمثيلٌ مُكتمِلُ الأركان وصادقٌ لحال اللا جَدوى؛ بكل ما تحمل مِن ثِقل ووطأة على الأفئدة، وبكل ما تحوز من حِكمةٍ صافيةٍ وفى الوقت ذاته قاتمة.
• • •
فى قصيدة "متى يعلنون وفاة العرب؟" التى وضعها نَزار قبانيّ عام ألفٍ وثمانمائةٍ وثمانية وتسعين، توصيفٌ مؤلمٌ لما صارت إليه الأمةُ العربية. غيابٌ مُريب وأوضاع مُؤسية؛ لا ينقصها سوى إعلان وفاةٍ رَسميّ، والحقُّ أن سؤال قبانيّ بات اليوم مُستحَقًا بأضعافِ ما كان عند صياغته؛ فقد تباعدت الدُّولُ التى تجمعها الجغرافيا ويقربُها التاريخُ وتصنع اللغةُ بينها وبين بعضها البعض رابطًا مشتركًا، ولقد تحوَّل ذِكر "جامعة الدول العربية" فى مُختلف المَحافِل والاجتماعات إلى باعثٍ على السُّخرية، مُحرضٍ على الغَمْز واللمْز والاستهزاء. باتت الجامعةُ مفرقة، وتمركزت أغلبُ الدولُ حول حدودها الضيقة، والعَرب منهم من تناسى أن العدوَ يبقى على حاله؛ لا يُغير من نواياه انتحالُ سَمت الأصدقاء، وفى غُمرة الانشغالِ بأمجاد شخصية تافهة وصغيرة، تضاءل الاهتمامُ بقضايا عربية كبرى؛ كانت فيما مضى عنوانًا للتقارب والتلاحم والكفاح. القصيدة تنتهى بالكلمات التالية: "رأيت العروبةَ مَعروضةً فى مزادِ الأثاثِ القديم.. ولكننى.. ما رأيت العَرَب!"
• • •
فى وَصفِ الحياة التى لا تشبه الحياةَ ولا تختلف كثيرًا عن حالِ المَوات؛ يقول أحمد مَطر فى إحدى لافتاته الشعرية: "مات الفتى.. أيُّ فتى؟.. هذا الذى كان يعيشُ صامتًا.. وكان يدعو صمتَه أن يصمتَ.. وكان صَمتُ صَمته يصمتُ صمتًا خافتًا.. مات اليَوم؟.. كلا هذا الفتى عاشَ ومات ميتًا". لافتات مَطر لاذعة، تخرقُ الروحَ وتوقظ الغافيَ؛ لكنها لا تصلح سوى للأحياء.
• • •
نُسِبَت للزَّعيم سَعد زغلول قولة "ما فيش فايدة"؛ للتدليل على يأسِه من قضية التحرُّر، وبعض المرات فى الإشارة إلى عَجزِه عن حلّ خلافاته السياسيَّة مع عدلى يَكن؛ لكن الأقربَ للتصديق أنه وكما يذكر عددٌ من المؤرخين؛ كان على فراشِ المرض، ولاحظ فشل العلاج والدواء فى تحسين صحته، فأسَرَّ لصَفية زغلول بهواجسه. لم تكن السياسةُ مما يُسبّب له الإحباط أو يدفعه للتراجُع، وقد عُرِفَ عنه الإصرار والتمسُّك بتحقيق الهدف، والظنُّ أن الميلَ العامَ للنكوص والتراخي؛ يدفع الناسَ لتوظيف الوقائع والأحداث بما يوافقه.
• • •
فى مَسرحية "وِجهة نَظَر" يُردد الشابُ ضخم البنيان على مدار العرض: "ما فيش فايدة". لازَمت العبارةُ ألسنةَ الجماهير لفترة طويلة، ولا تزال قيد الاستعمال إذ ازدادت الحاجة إليها فى ظل انهيار الأحلام. صاحبُها هو الفنان هانى رمزى الذى أدى دور "مَسعود"؛ نزيل كفيف تستغله ورفاقه إحدى دور الرعاية، وفيما يسعى النزلاء للتحرر من سيطرة الإدارة؛ فإن مسعود لا ينفك يحبطهم بعبارته. العمل من أجمل ما قدم محمد صبحى للمسرح مع لينين الرملى، وقد عُرِضَ عام ألف وتسعمائة تسعة وثمانين.
• • •
حين يتضح أن الأمرَ ميئوسٌ منه؛ ينصح الناسَ القائم عليه قائلين: "ما تتعبش نفسك". القَّصد أن شيئًا لن يتغير والأولى توفير الجهدَ والتعبَ لما يُجدى. قليلون هم من يحتفظون بإصراهم ويتمسكون بالأمل، يصارعون ويتلقون الضربات ويردونها؛ دون أن يَهنوا أو يتراجعوا. الإيمانُ بالقدرة على تذليل العوائق وتخطى الحواجز والجدران؛ يؤدى دومًا للمراد، أما تبنى قيم العدمية واللا جدوى؛ فمصدر تثبيط دائم، يمكنه أن يُخمِدَ أيَّ جذوة.

بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات