شعور بالارتياح لا يليق! - أسامة غريب - بوابة الشروق
السبت 11 يوليه 2026 2:02 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من يحسم مباراة ربع النهائي بين فرنسا والمغرب؟

شعور بالارتياح لا يليق!

نشر فى : الجمعة 10 يوليه 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الجمعة 10 يوليه 2026 - 7:00 م

فى السنوات التى عشتها بكندا كانت مدينة نيويورك تعتبر من الوجهات المثالية لقضاء الإجازات سواء بالنسبة لى أو لغيرى من سكان مونتريال. وللدقة كانت مدن الساحل الشرقى الأمريكى المطلة على الأطلنطى تجذبنا لشد الرحال إليها فى الإجازات والأعياد.

وكانت مدن مثل بوسطن وبيتسبرج ونيوبورت أماكن مثالية خاصة وأن الرحلة بالسيارة كانت تحتاج لزمن أقل بكثير من الذهاب لمعظم المدن الكندية مثل فانكوفر على الساحل الغربى أو حتى هاليفاكس وسانت جونز على الأطلنطى. فى هذه الرحلات كانت بعض العائلات تبيت فى بعض النُزُل أو الموتيلات على الطريق، وبعضها كان يسافر بسيارات الكارافان ويتخذ من سيارته راحلته وفندقه فى آن.


سافرت فى إحدى الإجازات الطويلة مع أحد أصدقائى إلى نيويورك بالطائرة حيث تكاسلنا عن قيادة السيارة وفضلنا أن نقطع المسافة فى أربعين دقيقة فقط. نزلنا بأحد الفنادق فى مانهاتن حيث الصخب والضجيج والسياح القادمين من كل أنحاء العالم.


استمتعنا بالسينمات والمسارح والمطاعم، والتواجد وسط الناس فى احتفالياتهم اليومية بالتايمز سكوير رغم المطر والثلج.. سهرنا وصخبنا ولهونا ولعبنا ولم نفترق حتى انقضت أيام الإجازة. كانت رحلة العودة من مطار «لاجوارديا» وهو أحد المطارات الرئيسية الموجودة بمدينة نيويورك، هناك إلى جانبه يوجد مطار جى إف كى الشهير، علاوة على مطار نيو أرك الواقع بجيرسى سيتى.


قدمنا تذكرتينا إلى موظفة الكاونتر وحصلنا على بطاقتى الصعود ثم شربنا القهوة وتسكعنا فى أسواق المطار قبل أن نتوجه إلى بوابة السفر.


جلست مع صديقى فى الصالة بجوار بوابة الرحيل، وكنا مع بقية ركاب الرحلة فى انتظار النداء الذى سنصطف بعده لندخل إلى الطائرة. وهنا سمعت نداء بالميكروفون يوجهه المسئولون عن الرحلة إلى السادة الركاب سائلين إياهم إذا كان من بينهم مَن يمكنه أن يؤجل رحلته ويتنازل عن مقعده إلى شخص يبدو أنه كان فى حاجة ماسة إلى السفر العاجل.


أخذت أتطلع إلى الركاب لأرى أيهم سيتصرف بشهامة وينتظر للرحلة التالية وموعدها بعد أربع ساعات من هذه الرحلة. لم يتطوع أحد بالتنازل عن مقعده.. يبدو أن الجميع مرتبطون بمواعيد بعد الوصول ولا أحد يرغب فى تعطيل جدوله. لكن بعد حوالى خمس دقائق أعلنت الموظفة عن عرض جديد.. مائة دولار يقدمها الرجل لمن يتنازل عن مقعده ويقبل السفر على الرحلة التالية. نظرتُ إلى صديقى وابتسمنا متطلعين إلى الركاب الذين سرت بينهم همهمة عرفنا منها أن المبلغ غير كافٍ ليثير شهية أحد ليكابد ملل الانتظار لعدة ساعات أخرى.. صحيح أن المطار مسلٍ وملىء بالمطاعم والبارات والحوانيت، لكن الذين وصلوا الآن إلى بوابات السفر نالوا بالفعل نصيبهم من التسلية والتسوق وفعلوا كل ما يمكن فعله وأصبحوا لا يريدون سوى الرحيل. قال لى صديقى: إن هذا الرجل الذى يطلب المقعد بالغ السذاجة.. لو أنه أعلن أنه مريض أو لديه ظرف إنسانى عاجل يقتضى السفر لوجد بضعة أشخاص يمنحونه أماكنهم عن طيب خاطر. قلت له: هل تلومه على أنه لا يكذب؟ قال: لو أن التنازل عن المقاعد مسموح به فى مطاراتنا كما يحدث هنا لوجدت هذا الأخ يمثل مشهدا من أحد أفلام يوسف وهبى يزعم فيه أن أمه سقطت من البلكونة أو خالته ضربها تسونامى ليستدر عطف الركاب ويستولى على مقعد أحدهم!. ضحكتُ من مخيلته الواسعة ورؤيته التى لا تخلو من صحة وأنتظرت لأرى بقية المشهد.


لم يستجب أحد للعرض، الأمر الذى دفع الزبون لرفع المبلغ إلى مائتى دولار. كانت المشكلة أن أغلب الركاب عبارة عن زوجين أو عائلة ولا يسهل بالتالى على أحدهم أن ينفصل ويترك من معه، وتعلقت الأنظار بالمسافرين فرادى بلا رفاق الذين يبدو أنهم غرقوا فى التفكير فى جدوى العرض. ما أدهشنى أن شركة الطيران التى كانت مجرد واسطة خير ولم تكن طرفا فى الموضوع تطوعت بتقديم قسيمة شراء مقبولة قيمتها عشرون دولارا لمن يقبل العرض، وكان هذا موقفا إيجابيًا لصالح أحد الركاب الذى يبدو أنه كان حائزا على بطاقة «المسافر الدائم» التى تمنح صاحبها حظوة لدى الشركة الناقلة.


واضح أن العرض لم يجذب اهتمام أحد، فالجميع يتطلع لركوب الطائرة التى ستقلع فى غضون دقائق بعدما بدأ الركاب يقفون فى صفوف ويدخلون إلى الأنبوب. ومرة أخرى ربما كانت الأخيرة ينفتح الميكروفون ليعلن عن ثلاثمائة دولار تذهب لمن يقبل التنازل عن مقعده. هنا فوجئت بالصديق الذى يرافقنى فى رحلتى يرفع يده ويتجه إلى الموظفة يمنحها بطاقته فتقوم بتغييرها على الفور وطبع واحدة جديدة له على الرحلة التالية مع ثلاثمائة دولار وقسيمة الشراء. فعل هذا دون أن يشاورنى أو يخطرنى بما ينتويه. قبل أن أسأله عما فعل بادر هو بالتوضيح قائلا: المبلغ يا صاحبى، أكبر من ثمن التذكرة ومعنى هذا أننى سأسافر بالمجان، ولا بأس بالانتظار بضع ساعات فالدنيا لن تطير!. ضحكت من طريقته العملية فى حساب الأمور، وكنت أظن أن وجودنا معًا يمنع أحدنا من التفكير فى عرضٍ كهذا، لقد ذهبنا معًا، وأعتقدت أن الطبيعى أن نعود معًا.. صحيح هو لم يفعل ما يمسنى أو يؤذينى، لكنى مع هذا لم أستطع النظر إلى ما فعل بحسبانه تصرفًا طبيعيًا.. ربما أن تصوراتى عن الحياة والبشر تحتاج لتعديلات!. سلمت عليه ودخلت إلى الطائرة التى أقلعت مباشرة وبعد أقل من ساعة كانت تهبط فى مونتريال.


قبل الخروج من المطار كانت الأخبار قد انتشرت عن العاصفة الثلجية التى ضربت الساحل الشرقى منذ قليل، وهو ما سيؤدى تلقائيًا إلى أن شركات الطيران ستضطر إلى تعليق رحلاتها بمونتريال وهاليفاكس ونيويورك وبوسطن وغيرها من المدن القريبة من ساحل الأطلنطى. هذا معناه أن صديقى الطَموح سيبيت على حسابه بأحد فنادق المطار حتى استئناف الرحلات مرة أخرى، فشركة الطيران ذات التكلفة المحدودة لن تمنح أحدا قسائم مبيت، وهذا معروف مقدما. مسكين صاحبى الذى أخذ تذكرة رجل كان يعرف بالتأكيد ما سيحدث.. أخذ التذكرة والفلوس وهو يظن نفسه من المحظوظين فإذا به من العالقين!


لا أنكر أننى حرصت على طرد شعور بالارتياح، لأن الشماتة فى الأصدقاء لا تليق!

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات