كثيرا ما تصادفنا يوميا كلمات وعبارات تتضمن الاكتئاب والاضطرابات النفسية والحزن وغيرها من الكلمات التي يستخدمها الكثيرون في الحياة اليومية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي في أحيان كثيرة دون إدراك لمعناها الحقيقي.
ويختلط على الكثيرين ممن يمرون بحالة من الحزن بسبب خذلان أو ضغط نفسي أو فقدان شخص قريب، فيجد نفسه فاقدا للحماس أو الرغبة في الحديث، وقد يظن البعض أن هذه المشاعر تعني بالضرورة الإصابة باضطراب نفسي أو اكتئاب، لكن ما الفرق بين كل هذه الحالات؟؛ هذا ما نوضحه ونجيب عليه خلال هذا التقرير من خلال الاستعانة بالدكتور هشام عبدالله، استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان.
الحزن الطبيعي استجابة إنسانية مؤقتة
يقول الدكتور هشام، في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، إنه تزداد أهمية معرفة الفرق بين الحزن الطبيعي والاضطراب النفسي، وخاصة مع انتشار المقارنات المستمرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتزايد الضغوط النفسية والعزلة الاجتماعية، وذلك لأن الخلط بينهما قد يؤدي إلى نتيجتين خطيرتين، تتمثل الخطورة الأولى في احتمالية الاستهانة بمعاناة شخص يحتاج فعلا إلى علاج، والثانية تتمثل في احتمالية تحويل المشاعر الإنسانية الطبيعية إلى مرض يثير القلق والخوف دون داعٍ.
كما يوضح أن الحزن الطبيعي يظهر كرد فعل مؤقت، يمكن أن تختلف شدته من شخص لآخر، وغالبا ما يكون مرتبطا بسبب واضح مثل التعرض لضغط أو خيبة أمل أو مشكلات حياتية.
ويشير إلى أن الشخص الحزين قد يشعر بثقل نفسي أو رغبة في العزلة لفترة معينة من الوقت، لكنه رغم هذا يظل قادرا على ممارسة حياته اليومية إلى حد كبير، سواء الذهاب إلى العمل أو الدراسة والتفاعل مع الأهل والأصدقاء والاهتمام بنفسه ونظافته الشخصية.
ويؤكد أن الحزن الطبيعي لا يمنع الإنسان كذلك من الشعور بالمتعة تماما، حيث يمكن أن يستمتع الشخص بمشاهدة فيلم أو سماع أغنية أو قضاء وقت جيد مع المقربين والأهل والأصدقاء، حتى ولو كان ما يزال متأثرا بما يمر به من حزن، منوها بأن الحزن المؤقت أيضا لا يكون مصحوبا في الغالب بتدهور حاد في تقدير الذات أو شعور دائم بانعدام القيمة، كما أن تأثيره يكون محدودا نسبيا على التركيز أو النشاط، ويختفي تدريجيا بمرور الوقت.
متى يصبح الأمر اضطرابا نفسيا؟
يوضح استشاري الطب النفسي أنه في المقابل توجد اضطرابات نفسية تختلف في طبيعتها وتأثيرها، وعلى رأسها الاكتئاب، فقد تبدأ أحيانا بدون سبب مباشر وواضح أو تظهر بعد موقف معين، ويكون هذا الموقف مجرد محفز لاضطراب أعمق موجود بالفعل، مؤكدا أن العلامة الفارقة والأساسية تتمثل في استمرار الأعراض لفترات طويلة وتأثيرها الواضح على شتى جوانب وأنماط الحياة.
ويتابع بأن مريض الاكتئاب مثلا يعيش حالة من فقدان اللذة، حيث يقضي معظم يومه في حالة من اليأس أو الفراغ، ويفقد القدرة على الشعور بالسعادة أو الاستمتاع بأي نشاط كان يحبه سابقا.
كما يضيف بأنه تظهر على المصاب بالاضطرابات النفسية أعراض أخرى مثل الإحساس بمشاعر مستمرة من الذنب وجلد الذات وانعدام الثقة بالنفس، إلى جانب اضطرابات في النوم أو الشهية، وشعور بالخمول والإرهاق أغلب الوقت.
وقد تتطور الأعراض في بعض الحالات الشديدة إلى أفكار إيذاء النفس أو الانتحار، لذلك يؤكد على أهمية التدخل المتخصص والحاجة إلى تقييم من مختص، لأن كثيرا من الناس قد يخلطون بين التقلبات الطبيعية للمشاعر وبين الاضطرابات التي تتطلب علاجا.
الاكتئاب ليس مجرد البكاء أو العبوس
وبحسب صحيفة "الجارديان"، فإن الاكتئاب يُعرَف بأنه فقدان الاهتمام بجوانب مهمة من الحياة يصاحبه انعزال، واضطرابات في النوم والأكل وانخفاض شديد في الطاقة، ومشاعر بالخدر أو اللا مبالاة، وبحسب وصف أحد المرضى: "يبدأ الأمر بالحزن ثم أشعر بأنني أنغلق على نفسي، وأصبح أقل قدرة على التأقلم، وفي النهاية أشعر بالخدر والفراغ".
كما يشير التقرير إلى أن الاكتئاب غالبا ما يتم إساءة فهمه، حيث لا يزال يعتقد البعض بأن المصاب به يمكنه تجاوز الأمر بمجرد التحلي بالقوة أو الخروج أكثر وهكذا، وذلك بالرغم من إشارة كثير من الدراسات إلى أن الاكتئاب يرتبط بعوامل نفسية وبيولوجية واجتماعية معقدة، منها الضغوط الحياتية والصدمات والأمراض المزمنة والاستعداد الوراثي.