عودة كاتب غريب - سيد محمود - بوابة الشروق
الأربعاء 29 أبريل 2026 12:23 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

عودة كاتب غريب

نشر فى : الثلاثاء 28 أبريل 2026 - 8:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 28 أبريل 2026 - 8:40 م

سعدت جدًا بعودة الصديق أحمد غريب للكتابة بعمل روائى متميز عنوانه: «صباح الخير يا أفندم»، صدر عن بيت الحكمة بالقاهرة، ولا ترجع أسباب سعادتى إلى محبة خالصة أحملها له، وإنما لأسباب فنية واضحة لن تفوت القارئ، وهو يقرأ رواية مكتملة لكاتب لا تعرفه الأجيال الجديدة، للأسف.

زاملتُ غريب فى الوظيفة الميرى قبل سنوات، كما لازمته فى بداية عملنا الصحفى، لكنه غادر مصر للعمل فى الخليج قبل أن يمضى فى هجرة طويلة أخذته بعيدًا إلى كندا، وعلى مدى سنوات لم تنقطع علاقتنا أبدًا، فهو صادق فى مودته، صاحب ابتسامة عذبة تأتى من القلب ولا تضل الطريق إليه، وبالتالى لا يمكن لعاقل أن يخسر صداقة كهذه أبدًا، فلدى أحمد دائمًا ما يضيفه لك بلا ادعاء.

عن طريقه عرفت أسماء كبيرة، لعل أبرزها الراحل الكبير صنع الله إبراهيم، الذى يمكن أن تلمح أثره فى الرواية الجديدة، كما تعرفت على أصدقاء آخرين شاركوا غريب إصدار كتابهم الأول منتصف التسعينيات عن دار شرقيات، وهو بعنوان «خيوط على دوائر»، ويرى بعض مؤرخى الأدب أنه أول إطلاق لظاهرة كانت جديدة اسمها «كتاب التسعينيات»، أحدثت انعطافة إبداعية مؤثرة فى تاريخ الأدب المصرى المعاصر.

ولهذا الحكم ما يبرره، فقد كان هؤلاء أكثر جرأة من غيرهم فى مقاربة موضوعات مسكوت عنها، سواء تعلقت بأسئلة الجسد أو أسئلة الكينونة والوجود، كما كانت لغتهم فى القص محايدة، وفيها السمات التى أسماها الراحل إدوار الخراط «الكتابة عبر نوعية»، نظرًا لحرص أصحابها على جمع سمات أكثر من نوع أدبى فى قالب واحد.

ضم هذا الكتاب الفريد قصصًا للراحلين وائل رجب ونادين شمس، كما ضم قصصًا لأحمد فاروق «كافكا» وعلاء البربرى وهيثم الوردانى، وعلى الرغم من استقرار أغلبهم خارج مصر، فإنهم واصلوا إنتاجهم سواء فى الإبداع أو الترجمة، وتمثلت شجاعتهم فى أنهم راحوا فى وقت مبكر إلى فضاء السرد القصصى، فى وقت كان الشعر لا يزال هو سيد الموقف.

تمثل رواية غريب الجميلة خلاصة تجربته، سواء فى الكتابة أو الحياة، فسؤالها الرئيسى عما يمكن للهجرة أن تفعله فى الناس، وكيف يمكن للصحراء أن تمتد إلى داخل البشر، كما يمكن للثلج أيضًا أن يصيب الأرواح بتصلب الشرايين.

تقوم الرواية على ما يكتشفه البطل وهو أمام المرآة، وهو صحفى يعود إلى الخليج من جديد بعد فترة قضاها فى الغرب، لا ليتسلم عملًا فى صحيفة أو قناة إخبارية، وإنما للعمل فى مجال تغذية الذكاء الاصطناعى بمواد لغوية عربية. وهذه الوظيفة، رغم حداثتها، فإنها تنتج نفس الصراعات التى هجرها البطل فى السابق؛ فقد عمل فى التسويق، وفى الترجمة للاجئين الذين يفدون إلى الغرب لأجل وعود بحياة جديدة، لكنه ملّ من ملاحقة الأحلام المحبطة، ومن الركض وراء جزرة لا يقضمها أحد، وعرف أن ظاهر تلك الصراعات يتأسس على الهويات المتصارعة، بينما هى فى جوهرها صراعات البشر القائمة على الضعف أمام شهوة المال والنفوذ.

يستعيد البطل فى وقفته التى تطول أمام مرآة الذات والعالم أسئلته الحارقة حول جدوى الحياة، وعن الفارق الذى يلمسه بين الغربة والترحال، وما يعانيه من صور الاغتراب أمام الآلة، وصراعه مع اللغة لترويضها وهى تواجه التحديات الجديدة. وداخل هذه الدورة، التى لا تخلو من تأملات فلسفية ناتجة عن تعاطى البطل مع وحدته، يضطر إلى استرداد صداقات قديمة تساعده على تخطى ذاته، كما لا يتوقف عن التفكير فى علاقات جسدية هجرها، لكن طيفها ظل يلاحقه.

يحافظ غريب فى الرواية على ما يميز كتاباته من قدرة على حلب اللغة وتقطيرها لتصل إلى أقصى درجات الحياد، فلغته السردية خالية من الثرثرة، تأتى أقرب إلى لغة العلم منها إلى لغة الأدب، ومع ذلك تحتفظ بصفاء نادر يجذب القارئ إلى مضمونها الشجى. ومعها يتحرر الكاتب من طاقته الذهنية، وتجرى فى عروقه دماء العافية، بسبب ما تتضمنه من وقفات لها طابع غرائبى يمنحها قيمة جمالية أخرى. كذلك تتميز كتابة غريب بانشغال دائم بملاحقة الصور وعالم الإعلانات التى تمثل فتنة خاصة عنده، يستطيع النفاذ منها إلى تفكيك العالم الذى يسميه الفيلسوف جى ديبور مجتمع الاستعراض.

تبدو الرواية، فى طبقة من القراءة، وكأنها مدونة اعتراف ومساحة من المراجعة الذاتية، لكن صاحبها يحافظ بميزان حساس على المسافة الفنية التى توقع القارئ فى أسر عالمه، وتحرر النص من ضيق التجربة الشخصية وتأخذه إلى اتساع العالم.

يجد القارئ فى رواية «صباح الخير يا أفندم» الكثير الذى يخصه، لأنها تكشف مأزق بطل معاصر بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، يواجه اغترابًا جديدًا أمام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى، لكنه يضطر إلى ملاحقته عبر تزويد الآلة بمفردات جديدة تدفعه إلى تأمل ما وراء الكلمات. فالبطل الذى يخشى الوحدة، ويلجأ إلى «يوتيوب» ليشعر بالونس، هو نفسه لا يريد العالم.