خداع التفكير.. أمثلة من كأس العالم - عمر محمود - بوابة الشروق
الإثنين 27 يوليه 2026 11:23 م القاهرة

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

خداع التفكير.. أمثلة من كأس العالم

نشر فى : الإثنين 27 يوليه 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الإثنين 27 يوليه 2026 - 7:03 م

كلما تابعت الجدل الدائر حول كأس العالم 2026، تذكرت مقولة المدير الفنى السابق لنادى ليفربول بيل شانكلى: «بعض الناس يعتقدون أن كرة القدم مسألة حياة أو موت. دعونى أؤكد لكم أنها أهم من ذلك بكثير».


بالفعل، يمكننا أن ننظر إلى الكثير من الأمور من خلال عدسة كأس العالم. فى هذا المقال سوف أركز على بعض أوجه خداع التفكير الشائعة، متخذًا كأس العالم مثالًا.


سنتناول فيما يلى كل عنصر من عناصر خداع التفكير على حدة لتسهيل الشرح، لكن عناصر خداع التفكير غالبًا ما تتداخل فى الواقع، مما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة. فعلى سبيل المثال، ربما كان لنا تحيز عاطفى ضد فريق ما (اختلاط المشاعر بالعقل)، ولذا فإننا لا نرى إلا مزايا الفريق الذى نحبه (التفكير الأبيض والأسود)، وبعد ذلك نبحث عن المعلومات والأمثلة التى تؤيد وجهة نظرنا ونتجاهل ما يعارضها (تحيز التأكيد)، ثم نعزو كل مشاكلنا إلى التآمر ضدنا (نظرية المؤامرة)، وبالطبع نؤكد على أننا قد تنبأنا بكل ما حدث (الحكمة بعد الحدث).


التفكير الأبيض والأسود


هل كان كأس العالم 2026 حدثًا رائعًا أم كارثيًا؟ هذه معضلة زائفة؛ لأن معظم أمور الحياة رمادية، تقع بين الأبيض والأسود. كأس العالم 2026 أُقيم فى ثلاث دول، وشارك فيه لأول مرة 48 فريقًا، أُقيمت لهم استعدادات سفر وإقامة وانتقال. كانت الملاعب مبهرة، وكذلك الاحتفالات المصاحبة للمباريات. على الجانب الآخر، مُنع أحد أفضل حكام إفريقيا من دخول الولايات المتحدة الأمريكية، وتعين على فريق إيران مغادرة الأراضى الأمريكية يوم انتهاء مباراته والعودة فيما بعد للمباراة التالية. كما شهدنا إفراطًا فى الطابع التجارى للمباريات. ولعل أغرب ما شهدناه كان تدخل الرئيس الأمريكى لإلغاء إيقاف لاعب من فريق أمريكا كان قد حصل على بطاقة حمراء، وعقوبتها الإيقاف مباراتين.


شاهدنا مباريات مثيرة وأخرى مملة. وتحكيمًا جيدًا وتحكيمًا سيئًا. وعدالةً وانحيازًا. وروحًا رياضية وغشًا وخداعًا. باختصار، رأينا الإنسانية فى أفضل صورها وأسوأها.


التفكير السليم يتطلب أن نفكر فى الأمور بشكل موضوعى، وأن نرى الإيجابيات والسلبيات، سواء أكان ذلك فى كرة القدم أم فى أى من الأمور الحياتية الأخرى.


اختلاط المشاعر بالعقل


لاحظت خلال كأس العالم أننى كلما سألت أحد الأصدقاء عن توقعه لنتيجة مباراة ما، توقع فوز فريقه المفضل، حتى وإن كان ذلك احتمالًا ضئيلًا إذا أخذنا فى الاعتبار نتائج الفريقين السابقة. هذا التفاؤل غير المبرر يؤدى إلى الخلط بين ما نوده وما نتوقعه، الأمر الذى كثيرًا ما يؤدى إلى الإحباط عندما تأتى النتيجة المنطقية مغايرة لما كنا نتمنى.


المشاعر تأتى إلينا بشكل سريع وغير واعٍ، ولكن بعد هذا التفاعل العاطفى السريع ينبغى علينا أن نتوقف ونقيّم الموقف بطريقة هادئة وعقلانية.


"لسنا آلاتٍ تفكر ثم تشعر، بل نحن آلاتٌ تشعر ثم تفكر"،
أنطونيو داماسيو.
تحيز التأكيد ــ البحث عما يؤيد آراءنا وتجاهل ما يناقضها
من أهم أسباب انحراف التقييم الموضوعى خدعة تحيز التأكيد، أو البحث عن المعلومات التى تؤيد رأينا المسبق وتجاهل ما لا يؤيده. عندما انتهت مباراة مصر وبلجيكا بالتعادل، اعتقد كثير من المشجعين المصريين أن الفريق المصرى كان أجدر بالفوز، واستشهدوا بالفرص التى أضاعها اللاعبون المصريون، إلا أنهم تجاهلوا الفرص التى أهدرها اللاعبون البلجيكيون. كما اعتبر المشجعون المصريون هدف مصر الملغى أمام فريق الأرجنتين دليلًا على التحيز التحكيمى ضد مصر، إلا أنهم تجاهلوا هدف إيران الملغى أمام مصر. نلاحظ ما فى مصلحتنا، ونتجاهل ما يخالف قناعاتنا.


من أدوات التفكير التى ينبغى تطويرها إجراء تجارب فكرية تساعد على تجنب خداع التحيز. ببساطة، تخيل كيف كنت ستنظر إلى الموقف لو انعكست الأدوار أو تبدلت الفرق.


التسرع فى الحكم


من وسائل خداع التفكير عدم القدرة على تعليق الأحكام، والإسراع فى استخلاص النتائج قبل توافر الأدلة الكافية.


من الأقوال التى تُنسب إلى شواين لاى، رئيس وزراء الصين السابق (1949-1976)، أنه عندما سُئل عما إذا كان تأثير الثورة الفرنسية (1789) إيجابيًا أم سلبيًا، أجاب بأن الوقت ما زال مبكرًا جدًا للحكم على ذلك الأمر.


رأينا آراءً متسرعة حول أداء الفريق المصرى ومدى صلاحية مدربه بعد كل مباراة أداها الفريق. امتدت الآراء من أقصى الرفض: «هذا المدرب لا يصلح لتدريب الفريق القومى»، إلى أقصى المديح: «إنه مدرب عبقرى». مثل أى شخص آخر، للمدرب الحالى ميزات وعيوب، ويجب منحه الوقت الكافى قبل إصدار حكم شامل على أدائه.


يتعين علينا التمهل فى إصدار الأحكام إلى أن تتوفر لدينا أدلة كافية، على الأقل موسم كامل فيما يخص مدربى ولاعبى كرة القدم.


أنا أتكلم إذن أنا موجود


منذ حوالى أربعمائة عام، قال الفيلسوف الفرنسى رينيه ديكارت: «أنا أفكر، إذن أنا موجود». اليوم، يبدو أننا نعمل بمبدأ: «أنا أتكلم، إذن أنا موجود». إذا تابعنا ما يُكتب وما يُقال على صفحات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى، سنجد أن كثيرين يقعون ضحايا خدعة أنهم خبراء فى كرة القدم وخططها وتكتيكاتها وقوانينها. إبداء الرأى فى أى وكل أمر لا يقتصر على كرة القدم، وإنما يمتد إلى السياسة والاقتصاد والطب والتغذية… إلخ.


يجب علينا أن نتذكر أنه ليس من الضرورى أن يكون لنا رأى فى كل أمر، بل من الضرورى ألا يكون لنا رأى فى كل أمر. ولذا ينبغى أن تقتصر ملاحظاتنا على ما نعرفه جيدًا، ولا يعيبنا أن نقول إننا لا نعرف، أو أنه ليس لدينا رأى فى موضوع ما.
«فكر قبل أن تتكلم، واقرأ قبل أن تفكر».
فران لبوفيتس


الحكمة بعد معرفة الحدث


نقع فى خدعة الحكمة بعد معرفة الحدث، أو الإدراك بأثر رجعى، عندما نتصور أننا كنا نتوقع ما حدث قبل حدوثه. فى كأس العالم كثيرًا ما سمعت من يقول بعد مباراة ما: «كنت متأكدًا من فوز، أو هزيمة، ذلك الفريق»، إلا أنه لا يصرح بذلك بشكل واضح قبل المباراة، وربما قال شيئًا مبهمًا مثل: «كل شىء جائز فى كرة القدم»، فسره فيما بعد على أنه تنبؤ دقيق بما حدث.


مشكلة خدعة الحكمة بعد معرفة الحدث أنها عقبة فى سبيل التعلم من أخطائنا. عندما نخدع أنفسنا ونتصور أننا كنا على صواب، فإننا لا نتعلم أى شىء جديد. أما إذا اعترفنا أننا أخطأنا التقدير، فسيكون ذلك مدعاةً للتعلم من أخطائنا. التفكير هو تغيير الرأى. إذا لم تغير رأيك، فإنك لا تفكر، وإنما تنتقى بعض الأدلة لتؤكد رأيك المسبق. هذا تبرير وليس تفكيرًا.


نظرية المؤامرة ومؤامرة نظرية المؤامرة


من السذاجة أن نظن أن كل ما يحدث حولنا هو مؤامرة، ومن السذاجة أيضًا الاعتقاد بأنه لا توجد مؤامرات.


نظرية المؤامرة ترفض تصديق الروايات الرسمية للمسئولين ووسائل الإعلام السائدة، وتقدم سردية بديلة تبحث عمن له مصلحة فيما حدث.


الشك والتساؤل من عناصر التفكير النقدى الأساسية، ولكن بعد التشكيك فى الرواية الرسمية لا بد من البحث عن الأدلة، وإعمال المزيد من التفكير المنطقى، وعدم إغفال إمكانية وجود روايات أخرى بديلة.


أما مؤامرة نظرية المؤامرة، فهى تقوم بتوجيه تهمة نظرية المؤامرة لكل من يرفض الرواية الرسمية ويقدم تفسيرًا آخر لما حدث. إلا أن دروس التاريخ تعلمنا أن كثيرًا مما تم وصفه بنظرية المؤامرة ثبت فيما بعد أنه كان حقيقيًا. وكما ألمح أحد الظرفاء: «الفرق بين نظرية المؤامرة والحقيقة كثيرًا ما يكون ستة أشهر».


عندما لا تكون الأدلة كافية، ينبغى علينا أن نفكر بأسلوب الاحتمالات، لا أن نسعى إلى اليقين، وأن نبحث عن المزيد من الأدلة لتكوين رأى أكثر احتمالًا.


هل خسرت مصر أمام الأرجنتين بسبب قرارات التحكيم المتحيزة، أم أنها خسرت نتيجة نقاط ضعف الفريق، بما فى ذلك نقص اللياقة البدنية، بالإضافة إلى أخطاء فى تغييرات اللاعبين؟ السببان صحيحان. لقد كانت قرارات الحكم متحيزة، إلا أن مصر قد خسرت بشكل أساسى بسبب أخطائها، وكان بإمكانها الفوز على الرغم من التحيز التحكيمى.


لا يجب أن تكون نظرية المؤامرة ملجأً نختبئ بداخله للتهرب من مسئوليتنا. حتى إذا افترضنا وجود مؤامرة، فإن الاستعداد والأداء الجيد سيمكناننا من التصدى لتلك المؤامرة.


«لا نستطيع توجيه الرياح، لكننا نستطيع تعديل الأشرعة».


كورا هاتش


ختامًا، من حق الفريق المصرى والجماهير المصرية الفخر بالأداء الجيد للفريق. والآن يتعين علينا أن نتوقف لنفكر، ونقيّم أداء فريقنا بشكل موضوعى، آخذين فى الاعتبار الإيجابيات والسلبيات، ليكون أداؤنا أفضل فى المرات القادمة.


كاتب مصرى

عمر محمود التوصيف: كاتب مصري
التعليقات