هانى شنودة وذاكرتى - سيد محمود - بوابة الشروق
الثلاثاء 21 يوليه 2026 11:08 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

هانى شنودة وذاكرتى

نشر فى : الثلاثاء 21 يوليه 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 21 يوليه 2026 - 6:30 م

يدين الجيل الذى دخل إلى سنواته الخمسين بالكثير والكثير للموسيقار هانى شنودة الذى رحل قبل أيام، وإذا كانت لكل جيل ذاكرة صوتية، فإن شنودة هو الذى صنع ذاكرتنا، وساهم أكثر من أى ملحن آخر فى صياغة وجداننا.

وأنا، عندما أنظر حولى وأستعيد الأصوات والألحان التى علقت فى رأسى، لا بد أن يتصدر اسمه قبل الآخرين. صحيح أننا أخذنا القطفات الأخيرة من أعمال محمد عبدالوهاب وسيد مكاوى وبليغ حمدى ومحمد الموجى وكمال الطويل، من أساطين التلحين، لكن هانى شنودة ظل مختلفًا، ليس فقط لأنه، على عكس هؤلاء، جاء من الموسيقى الغربية، وإنما لأنه قاد معارك التجديد الموسيقى على جبهات كثيرة، واحتفظ دائمًا بصفات المدرس الساعى إلى الشرح والتبسيط، وهى مهنة مارسها فى بداياته، واكتسب بفضلها قدرة الوصول إلى الجوهر دون تنظيرات خزعبلية.

انظر معى فى أرشيفه، وتأمل بداياته التى جاءت فى نهاية الستينيات ضمن تيار كامل حاول أن يجد مساحة للموسيقى الغربية فى مصر، مثل: «البلاك كوتس، والبيتى شاه، وفرقة إسماعيل الحكيم».

لم يتمكن هؤلاء جميعًا من الاستمرار لأسباب مختلفة؛ فقد توفى الحكيم فى ظروف معقدة، وانفرط عقد الموسيقيين فى الفرق الأخرى، وهاجر بعضهم، وتوقف البعض الآخر، وآخرون عملوا بمهن أخرى، وساهم البعض فى تأسيس وقيادة فرق جديدة استفادت من ثورة الكاسيت، وعملت مع مطربين كانوا يبشرون بثورات موسيقية، غير أن شنودة، الذى تنطبق عليه صفات المفكر المجدد، كان أكثر وعيًا من كل هؤلاء، إذ ظل يعمل بلا هوادة، وفى أكثر من مسار، حتى إنه من الصعب على أى مؤرخ فنى أن يدمجه فى تيار أو اتجاه واحد.

بعد تراجع نشاط الفرق الغربية، دخل إلى السوق التجارى من خلال الموسيقيين الذين حاول عبدالحليم حافظ العمل معهم والاستفادة من نبرتهم الجديدة لإطالة عمر تجربته، لولا أن موت حليم قطع الطريق أمام هذه المغامرة، التى واصل هانى شنودة تحقيقها عبر طرق أخرى. وساعدته صداقته مع الشاعر الكبير صلاح جاهين على تأسيس فرقة المصريين، التى وُلدت هى الأخرى فى سياق مختلف؛ إذ لم يكن من الطبيعى أن ينجح مطرب فرد أو مطربة فى ملء الفراغ الذى نتج عن موت الثلاثى الجماهيرى «أم كلثوم وفريد الأطرش وعبدالحليم»، ومن ثم كانت الفرق الجديدة (المصريين/طيبة/الحب والسلام ثم الأصدقاء) بمثابة عتبة للعبور الآمن إلى مرحلة جديدة تواكبت مع ثورة الكاسيت، التى فهم هانى شنودة قانونها وتعامل معه ببساطة ودون قيود أيديولوجية، لأنه كان يستهدف المتعة، ويمتلك شغف الأطفال بتجريب كل آلة جديدة.

أخذته الصداقة الوثيقة التى جمعته مع الشاعرين عبدالرحيم منصور ومجدى نجيب إلى مسار جديد سعى من خلاله إلى صناعة ما يسمى بـ«الأغنية البديلة»، التى عبر عنها محمد منير وعلى الحجار بوضوح أكثر من الآخرين. وزع شنودة للحجار أغنية ولد وبنت، التى صنعت بداياته مع على قد ما حبينا، لكن إنتاج شنودة مع منير كان الأغزر والأكثر كثافة فى ألبومات منير الأولى، ربما لأن خامة صوته وطريقة أدائه بدتا ملائمتين أكثر لما أراد هانى شنودة تحقيقه ومن ثم يصعب نسيان الجملة الافتتاحية لـ«علمونى عنيكى» ربما لأنها كانت بمثابة إعلان عما قصدته بـ«النبرة الجديدة» التى كان اكتشاف عمرو دياب فيما بعد مناسبة أخرى لتأكيدها رغم اختلاف المشروعين.

ولا أتصور أن أحدًا من بين أبناء جيلى يستطيع أن ينسى أغنيات مثل: (أمانة يا بحر/إيه يا بلاد يا غريبة/ومعظم أغنيات ألبوم بنتولد وحتى «زحمة يا دنيا زحمة» لأحمد عدوية التى كانت ثورة كاملة الملامح مثلها فى ذلك مثل أغنية «كل الحاجات» لمحمد منير، والتى تشغل حيزًا خاصًا فى قلبى 

وأظن أن كل تلك الأغنيات صارت أقرب إلى عناوين أو خرائط أو إحداثيات تشير إلى ذاكرة تتشكل، والأهم أن هذه الذاكرة تبدأ عملها من أرض عفية، لا شرقية ولا غربية، ولكن يجرى تخصيبها بقوانين التواصل الحضارى، فالثقافة والفن عمومًا يقومان على هذا التفاعل الخلاق، الذى كان هانى شنودة عنوانه الأبرز فى الموسيقى المصرية المعاصرة، فقد أجاد وجدد، وسعى دائمًا لبناء جسور، مستفيدًا من إرث وحضور ألحان خلابة لمحمد عبدالوهاب، صاغ منها قطع ماس لصوت له ملامح خاصة، مثل صوت نجاة، وأخذها لمساحة جديدة كتبت لها شهادة ميلاد جديدة.

آمنت دائمًا أن هذا الرجل مفكر مجدد، لأنه لحن كلمات لم تكن خالية من حس تجريبى يؤمن بالتجديد، كما أنه تبنى، بفضل الأغنيات التى قدمها، مواقف شديدة التقدمية، حتى وإن خلت من الشعارات، ويكفى مثلًا التوقف أمام أغنياته لفرقة المصريين، وبالذات «الشوارع حواديت» و«لما كان البحر أزرق»، أو تأمل الموسيقى التصويرية التى أبدعها لأفلام لا يمكن تخطيها أو تجاهل تأثيرها العميق، مثل: (المشبوه، غريب فى بيتى، شمس الزناتى)، فهى بصمات يصعب تكرارها، لذلك جسد موته أكثر من معنى للفقد والخسارة.