مساعٍ لاستعادة الثقة بين سوريا ولبنان - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الثلاثاء 21 يوليه 2026 11:09 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

مساعٍ لاستعادة الثقة بين سوريا ولبنان

نشر فى : الثلاثاء 21 يوليه 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 21 يوليه 2026 - 6:30 م

 

تشهد العلاقات السورية اللبنانية تطورات وتغيرات مهمة منذ إسقاط نظام بشار الأسد وتولى السلطة فى دمشق مجموعة من الفصائل الجهادية فى 8 ديسمبر 2024 بقيادة جبهة تحرير الشام بزعامة أحمد الشرع رئيس سوريا فى المرحلة الانتقالية التى حددتها الفصائل المتولية السلطة ما بين 4 إلى 5 سنوات. ويمكن تتبع هذه التطورات فى العلاقات بين دمشق وبيروت، سواء تلك التى تمت بمجرد إسقاط نظام الأسد، أو عن طريق التواصل وتبادل الزيارات والمشاورات بين الطرفين. 

وثمة تطورين مهمين، أولهما إخراج ميليشيات وعناصر حزب الله اللبنانى من سوريا، وقد كانت هذه الميليشيات تعمل بالتعاون مع الوجود الإيرانى فى سوريا، وثانيهما تحجيم الوجود الإيرانى فى سوريا إلى أدنى مستوى، وقطع خطوط الإمداد والتواصل البرى بين إيران وحزب الله فى لبنان الى حد كبير، وهذا فى صالح السلطة اللبنانية بالحد جزئيًا من نفوذ إيران فى لبنان، وإن كان لن يمنعه تمامًا أو يحول دونه بالنظر للروابط الوثيقة، خاصة عقائديًا بين حزب الله وإيران. 

• • •

وقد كان للزيارات المتبادلة بين سوريا ولبنان دور مهم للغاية، سواء بكسر الجمود وحالة الترقب بين الجانبين، وبإزالة الشكوك والمخاوف الموروثة عن الممارسات السابقة فى العلاقات بين دمشق وبيروت طوال نظام الأسد الأب والابن. وتعد الزيارتين التى قام بهما وزير خارجية سوريا أسعد الشيبانى إلى بيروت من بين التطورات والتغيرات المهمة فى العلاقات بين البلدين. وإذا كانت زيارته الأولى لبيروت قد اتسمت بكثير من التحفظ والحذر؛ حيث اقتصرت مقابلات الشيبانى على رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام. وقد أوضح الجانب السورى وقتئذ، ردًا على ملاحظات السياسيين والإعلاميين اللبنانيين حول أسباب عدم لقاء الشيبانى بالقيادات السياسية اللبنانية الأخرى، بالقول إن الجانب اللبنانى هو الذى نظم برنامج الزيارة الذى لم يتضمن مقابلة رئيس البرلمان نبيه برى. 

تعد زيارة وزير الخارجية السورى الثانية إلى بيروت فى 2 يوليو 2026 بمثابة انتقالة لمرحلة جديدة فى العلاقات السورية اللبنانية، سواء من حيث المقابلات أو الموضوعات التى تم بحثها أو الرسائل التى حرص الوزير السورى على إرسالها سواء للبنانيين أو إسرائيل أو غيرها من الأطراف الإقليمية والدولية. فقد أبدى حرص سوريا على التعامل من خلال الشرعية اللبنانية الثلاثية الممثلة فى رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه برى، الذى حرص وزير الخارجية السورى، عند لقائه، على توجيه دعوة له لزيارة دمشق، رغم ظروف برى الصحية والأمنية التى قد لا تسمح بإتمام هذه الزيارة قريبًا. وقد أبدى وزير الخارجية السورى استعداده للقاء مع حزب الله، إذا كان هذا اللقاء يخدم المصلحة الوطنية السورية واللبنانية. 

وقد حرص الشيبانى خلال زيارته بيروت على أن يؤكد أكثر من مرة أن سوريا ليس لديها أى نية للتدخل عسكريًا أو سياسيًا فى لبنان، وذلك على ضوء حالة القلق اللبنانى التى أثارها قول الرئيس الأمريكى ترامب أنه على وشك أن يطلب من الرئيس السورى أحمد الشرع الدخول إلى جنوب لبنان للقيام بعمل أكثر دقة  ضد حزب الله، إزاء خيبة أمله من أداء إسرائيل فى مواجهة الحزب. وقال ترامب إنه ناقش هذا الموضوع مع الرئيس أحمد الشرع. وقد سبق أن صرح الرئيس الشرع ردا على ترامب بأن سوريا لن تتدخل عسكريًا فى لبنان. 

• • •

شملت لقاءات وزير الخارجية السورى، سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، والنائب سامى الجميل، رئيس حزب الكتائب، وكلاهما كانا من الشخصيات المناوئة بشدة للنفوذ السورى فى لبنان، والمطالبين بتحرر لبنان من سطوة نظام الأسد. وقد أكد لهما الشيبانى أن التعامل بين سوريا ولبنان يقوم الآن على الاحترام المتبادل بينهما. كما التقى الشيبانى مع وليد جنبلاط، ترضية للطائفة الدرزية اللبنانية وإبداء عدم التأثر فى العلاقة معهم بحالة الاحتقان الشديد بين الدروز السوريين ونظام الحكم فى دمشق. والتقى الشيبانى مع مفتى لبنان، كما زار مدينة طرابلس وحضوره الصلاة فى أحد مساجدها. ويرجع اهتمام الشيبانى بزيارة طرابلس إلى أن هذه المدينة أعلنت منذ البداية تأييدها لإسقاط الفصائل لنظام بشار الأسد، كما أظهر الاستقبال الشعبى الواسع للوزير السورى مدى تفاعل أهل طرابلس مع التغيرات الجارية والنظام الجديد فى سوريا. 

يرى السياسيون اللبنانيون الرافضون للوصاية السورية على لبنان، أن سوريا اليوم مختلفة عن سوريا نظام الأسد، عندما كانت تمسك بكل خيوط اللعبة فى لبنان وخارجه، وإنما هى سوريا أحمد الشرع الذى يتلمس طريقه بهدوء، وينسج علاقة حسن جوار وتكامل اقتصادى وتوافق سياسى مع لبنان بالقوة الناعمة هذه المرة، ونوهوا بموقف الشرع عندما رد على ترامب برفض تدخل سوريا عسكريًا فى جنوب لبنان ضد حزب الله. ويرون أن زيارة الشيبانى إلى لبنان شرعت مرحلة جديدة فى العلاقات السورية اللبنانية بأدوات مختلفة تمامًا، وأنه تعامل بندية مع لبنان. 

وأكد الشيبانى فى حديث تلفزيونى من جديد أن سوريا لا تنوى التدخل فى لبنان وستقوم العلاقة معها على احترام كل دولة لسيادة الأخرى، وبدون أى تدخل فى شئونها الداخلية، وتكون العلاقات عبر المؤسسات الرسمية. 

• • •

وقد تم خلال الزيارة توقيع كل من رئيس وزراء لبنان ووزير خارجية سوريا يوم 2 يوليو 2026 على اتفاقية بين حكومتى البلدين لإنشاء اللجنة العليا اللبنانية السورية المشتركة، وتنص على المساواة بين الطرفين، واحترام سيادة واستقلال ووحدة وسلامة أراضى كل من الدولتين، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية، وتسوية الخلافات بالوسائل السلمية ومن خلال الحوار والتشاور، واحترام علاقات الأخوة وحسن الجوار، وتحقيق المصالح المشتركة، وتحديد مجالات التعاون التى تشمل الشئون السياسية والدبلوماسية، والشئون الاقتصادية والمالية والتجارية والاستثمارية، والشئون القضائية والقانونية والأمنية، والنقل والطاقة والمياه والبنية التحتية، والتعليم والثقافة والبحث العلمى، والصحة والشئون الاجتماعية، والاتصالات والتحول الرقمى، وأى مجالات يتفق عليها الطرفان. كما تضمنت الاتفاقية اختصاصات اللجنة، والآليات التنفيذية من السكرتارية المشتركة، واللجان القطاعية والفنية. وأن قراراتها تصدر بالتوافق بين الطرفين، ويرأسها رئيسا حكومتى سوريا ولبنان. وتحل الاتفاقية الجديدة محل «معاهدة الأخوة والتنسيق» التى وقعها رئيس الجمهورية اللبنانى مع الرئيس السورى حافظ الأسد فى مايو 1991، والتى كرست نفوذ سوريا فى لبنان من خلال «المجلس الأعلى السورى اللبنانى» على مدى عقود. 

• • •

الحقيقة أن أمام اللجنة العليا السورية اللبنانية المشتركة العديد من القضايا العالقة، سواء تلك التى بدأ معالجتها أو التى تحتاج إلى جهود ووقت لتسويتها. ومن هذه القضايا السوريون الموقوفون فى لبنان، ومسألة ترسيم الحدود بين البلدين، والتنسيق الأمنى، خاصة الحاجة الملحة للتعاون المشترك لضبط الحدود ومواجهة عمليات التهريب بكل أنواعها، سواء تهريب السلع، أو المخدرات، أو السلاح. ويتصدر ملف التعاون الاقتصادى جدول أعمال العلاقات بين البلدين لتشابك العلاقات الجغرافية والاجتماعية والتاريخية التى تجمع بينهما. واستثمار الاتجاه السياسى للنظام السورى الجديد الذى يعمل على إعادة بناء الدولة السورية بعيدًا عن تصفية الحسابات، مع الانفتاح على جميع القوى اللبنانية، انطلاقًا من المصالح المشتركة. وتمثل سوريا بعدًا اقتصاديًا بالغ الأهمية بالنسبة للبنان، باعتبارها معبرًا أساسيًا للعلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية مع دول الخليج العربية، خاصة وأن العلاقات الاقتصادية بين سوريا ولبنان لا تحتاج تأسيسًا جديدًا بقدر ما تحتاج إلى تفعيلها فى ظل الرغبة المشتركة للتعاون وإرساء أسس علاقات على قاعدة الاحترام المتبادل. 

ويعد ملف اللبنانيين المفقودين والمختفين قسرًا من أكثر الملفات تعقيدًا فى العلاقات السورية اللبنانية، حيث يعود إلى سنوات الحرب الأهلية فى لبنان وما تلاها من حقبة الوجود السورى فى لبنان، وسبق أن أفرج النظام السورى السابق عن دفعتين من المعتقلين فى 1998 وعام 2000. ولكن ظلت جمعيات لبنانية تؤكد أن مئات اللبنانيين ظلوا محتجزين فى السجون السورية، وعاد الملف إلى الواجهة فى ظل غياب أى معلومات حاسمة عن مصير مئات اللبنانيين. وكانت لجنة الطوارئ اللبنانية الخاصة بهذا الملف قد وثقت وجود 725 معتقلًا لبنانيًا فى سوريا. كما يعطى الجانب اللبنانى اهتمامًا خاصًا بعودة اللاجئين السوريين فى لبنان إلى بلدهم ووضع آلية لتنفيذ ذلك طالما ثمة توافق بين الجانبين اللبنانى والسورى على عودتهم. وتشير مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين إلى أن أكثر من نصف مليون لاجئ سورى عادوا من لبنان إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد، مع بقاء مئات الآلاف منهم فى لبنان. 

وإذا كانت زيارة وزير خارجية سوريا أسعد الشيبانى لم تحمل حلولًا فورية للقضايا والملفات التى تراكمت بين سوريا ولبنان على مدى عقود، إلا أنها دشنت مسارًا جديدًا فى إدارة العلاقات بين البلدين يقوم على الندية والاحترام المتبادل ودون تدخل فى شئون الآخر. ولكن يبقى الاختبار الحقيقى فى القدرة على ترجمة هذا التحول السياسى إلى إجراءات عملية على أرض الواقع.   

مساعد وزير الخارجية الأسبق 

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات