حين تشجع الشعوب ضميرها - عيد محمد - بوابة الشروق
الثلاثاء 21 يوليه 2026 11:09 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

حين تشجع الشعوب ضميرها

نشر فى : الثلاثاء 21 يوليه 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الثلاثاء 21 يوليه 2026 - 6:35 م

 

لم تكن الفرحة التى اجتاحت مساحات واسعة من العالم العربى والشرق عقب تتويج إسبانيا بكأس العالم مجرد احتفال بفوز منتخب أوروبى على الأرجنتين، ولا مجرد انحياز عابر لفريق يجيد الاستحواذ ويمتلك لاعبين أكثر مهارة. لقد كانت فرحة تحمل من المعانى ما يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، وتكشف أن الشعوب لا تمنح عواطفها للأعلام وحدها، بل تمنحها أيضًا لما أصبحت تلك الأعلام ترمز إليه فى وجدانها. فقد فازت إسبانيا بالكأس بعد بطولة قدمت خلالها كرة قدم جميلة، حديثة ومنضبطة، جمعت بين المهارة الفردية واللعب الجماعى، وبين خيال الشباب وخبرة الكبار. لكنها، فى نظر كثيرين فى الشرق، لم تكن الفائزة داخل الملعب وحده. لقد احتفل بها جمهور عربى واسع بوصفها دولة اتخذت موقفًا رآه أكثر شرفًا واتساقًا مع الحق الفلسطينى من مواقف كثير من الدول الغربية الأخرى.

وهكذا التقى فى لحظة التتويج شيئان نادرًا ما يجتمعان فى السياسة والرياضة معًا.. لم يهتف كثير من العرب لإسبانيا لأنهم أصبحوا إسبانًا، ولا لأنهم يحملون عداءً رياضيًا للأرجنتين، صاحبة التاريخ الكروى العظيم والجماهيرية الواسعة فى المنطقة. كانوا يهتفون لصورة اكتملت أمامهم خلال البطولة: منتخب يلعب كرة قدم تمنح المتعة، ودولة اختارت، فى لحظة أخلاقية فارقة، ألا تلتزم الصمت أمام المأساة الفلسطينية.

• • •

لقد أدركت الدراسات الثقافية منذ عقود أن الدول لا تعيش فى وعى الشعوب بوصفها حدودًا جغرافية ومؤسسات سياسية فحسب، وإنما بوصفها معانى وصورًا ورموزًا. فالعالم الذى نراه ليس مجرد مجموعة من الوقائع المحايدة، بل عالم تصنعه أيضًا الخطابات والصور والمواقف التى تتراكم فى الذاكرة الجمعية. وهذا ما قصده المفكر البريطانى الجامايكى ستيوارت هول حين أوضح أن التمثيل ليس انعكاسًا بريئًا للواقع، بل عملية مستمرة لإنتاج المعنى.

ومن هذا المنظور، لم تعد إسبانيا فى المخيال العربى خلال هذه البطولة مجرد بلد أوروبى يرتدى منتخبه القميص الأحمر. لقد أصبحت، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجماهير، رمزًا لدولة امتلكت قدرًا من الشجاعة السياسية فى التعامل مع القضية الفلسطينية. فقد اعترفت الحكومة الإسبانية رسميًا بدولة فلسطين، ورفع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز صوته مرارًا مطالبًا باحترام القانون الدولى، ومدافعًا عن حق الفلسطينيين فى الدولة والحياة والكرامة. وفى وقت بدت فيه حكومات غربية كثيرة مترددة فى تسمية الأشياء بأسمائها، أو أسيرة حساباتها السياسية وتحالفاتها التقليدية، قدمت إسبانيا خطابًا مختلفًا وجد صداه لدى شعوب شعرت طويلًا بأن آلام الفلسطينيين لا تُرى بالقدر نفسه الذى تُرى به آلام الآخرين. لم تكن تلك الخطوات الدبلوماسية بالنسبة إلى المواطن العربى مجرد أخبار تمر فى نشرات المساء. لقد أعادت تشكيل صورة إسبانيا ذاتها فى وجدانه، وربطت اسمها بموقف أخلاقى ظل يبحث عنه وسط الصمت والتبرير وازدواجية المعايير، إعادة تعريف لمعنى إسبانيا نفسها التى يمثلها فى كأس العالم اللاعب المسلم «لامين يامال» الذى رفع علم فلسطين أثناء احتفال فريق برشلونة بالحصول على الدورى الإسبانى.

ولهذا، عندما أطلق الحكم صفارة النهاية وتوجت إسبانيا بطلة للعالم، لم يكن الاحتفال فى الشرق بالكأس وحده. كان فيه شىء من الامتنان الشعبى لدولة شعر كثيرون بأنها احترمت إنسانيتهم، أو على الأقل اقتربت من التعبير عن إحساسهم بالعدالة.

• • •

هنا تكمن إحدى أكثر ظواهر عالمنا المعاصر إثارة: فالهويات لم تعد حبيسة الحدود الوطنية، والانتماء لم يعد يتحدد بجواز السفر وحده. لقد صار الإنسان قادرًا على أن ينتمى، ولو للحظات، إلى موقف وقيمة وسردية أخلاقية تتجاوز الجغرافيا. فالمصرى أو المغربى أو الأردنى أو اليمنى أو الفلسطينى الذى شجع إسبانيا لم يتخلَ عن هويته الوطنية، ولم يتحول إلى إسبانى بين ليلة وضحاها. لكنه مارس شكلًا من أشكال الانتماء العابر للحدود؛ انتماء إلى من رأى أنه يجسد قيمة يؤمن بها، ويعبر عن موقف يتمنى أن ينتصر.

وهذا ما أشرت إليه فى كتاباتى الأكاديمية عن الهويات العابرة للحدود؛ حيث لم يعد التضامن مرهونًا بالجنسية أو اللغة أو الأصل، بل أصبح يتأسس أيضًا على اشتراك البشر فى منظومة من القيم والرموز والمعانى. فالانتماء فى القرن الحادى والعشرين لم يعد سؤالًا عن المكان الذى وُلدنا فيه فقط، بل عن القضايا التى نرى فيها أنفسنا، وعن المواقف التى نشعر بأنها تحمى ما تبقى من إنسانيتنا.

• • •

ومن هنا نفهم أن الرياضة لم تعد منفصلة عن السياسة والثقافة، مهما أصر البعض على ترديد العبارة التقليدية القائلة إن الرياضة لا علاقة لها بالسياسة. فالرياضة واحدة من أكبر ساحات إنتاج المعنى فى عصرنا، فالمباريات لا تُقرأ دائمًا بمنطق الأهداف والنتائج. إنها تُقرأ كذلك بمنطق الذاكرة والرموز والعدالة والتمثيل. وليس هذا جديدًا فى التاريخ. فقد كانت الألعاب الأولمبية، منذ نشأتها الحديثة، ساحة للتنافس الرمزى بين الدول، وكانت كرة القدم فى مناسبات كثيرة مرآة لصراعات سياسية وتحولات اجتماعية وثقافية كبرى. غير أن ما تغير اليوم هو السرعة الهائلة التى تنتقل بها المعانى عبر الفضاء الرقمى.

لقد أدرك إدوارد سعيد أن التمثيل ليس مجرد وصف للعالم، بل مشاركة فى صناعته. فالصورة التى نرسمها للآخر تؤثر فى علاقتنا به، كما تؤثر الصورة التى يرسمها الآخر لنا فى الطريقة التى نرى بها أنفسنا. وما نشهده اليوم هو حركة معاكسة لا تقل أهمية؛ فالشعوب تعيد بدورها رسم صور الدول، لا بحسب قوتها العسكرية والاقتصادية فقط، بل بحسب مواقفها الأخلاقية أيضًا.

لقد اعتادت القوى الكبرى أن تعتقد أن بإمكانها صناعة صورتها عالميًا عبر الإعلام والإعلانات والمؤسسات الثقافية. لكن الصورة فى عصر الشبكات لم تعد قرارًا أحاديًا تتخذه الدولة. إنها علاقة تفاوض مستمرة بينها وبين شعوب العالم. قد تنفق دولة مليارات الدولارات لتحسين صورتها، ثم تهدمها بموقف واحد يتجاهل آلام المدنيين. وقد لا تحتاج دولة أخرى إلى حملة علاقات عامة ضخمة، لأن موقفًا سياسيًا شجاعًا قادر على أن يفتح لها مكانًا فى وجدان ملايين البشر. وهنا تظهر القوة الناعمة فى أسمى صورها. فهى ليست القوة التى تُفرض بالسلاح، ولا النفوذ الذى يُشترى بالمال، ولا الشعارات التى تصوغها شركات العلاقات العامة. إنها القدرة على توليد الإعجاب والثقة والاحترام؛ أن تجعل شعبًا فى أقصى الشرق يهتف لمنتخب لا يجمعه به وطن واحد ولا لغة واحدة، لأنه وجد فى علمه انعكاسًا لقيم يؤمن بها.

إن الذاكرة العربية، بطبيعتها، لا ترى إسبانيا بوصفها مكانًا أوروبيًا غريبًا تمامًا. فالأندلس، بما تحمله من تاريخ وثقافة وعمارة وشعر وموسيقى وذاكرة مشتركة، لا تزال حاضرة فى المخيال العربى. وليس معنى ذلك أن العرب يعيشون أسرى حنين تاريخى، وإنما أن صورة إسبانيا لديهم كانت دائمًا أكثر تركيبًا ودفئًا من صور دول أوروبية أخرى. وقد أضاف الموقف من فلسطين طبقة معاصرة إلى هذه الذاكرة القديمة، ثم جاءت كرة القدم لتمنحها مشهدًا احتفاليًا جامعًا. وهكذا تداخل التاريخ مع السياسة، والرياضة مع الأخلاق، والمهارة مع الذاكرة، فى صورة واحدة رفعت فيها إسبانيا كأس العالم، بينما شعر كثير من العرب أن الفرحة تخصهم هم أيضًا.

• • •

ومع ذلك، ينبغى ألا نحول الانتصار الرياضى إلى شهادة براءة دائمة لأى دولة، أو أن نختزل المجتمعات المعقدة فى موقف واحد. فإسبانيا، مثل غيرها، مجتمع متعدد الأصوات والمصالح والتناقضات، وسياساتها يمكن أن تتغير، كما يمكن أن تتغير حكوماتها. لكن الشعوب لا تتعامل فى لحظات الفرح مع التقارير السياسية الباردة وحدها، بل مع الصورة الرمزية التى تجمعت لديها فى لحظة تاريخية بعينها. وفى تلك اللحظة، بدت إسبانيا للكثيرين بلدًا يجمع بين كرة قدم جميلة وموقف سياسى محترم. ربما كانت الشعوب، وهى تهتف لإسبانيا، تحتفل أيضًا بصورة للعالم كما تتمنى أن يكون: عالم لا ينفصل فيه الجمال عن العدالة، ولا تُقاس فيه البطولة بعدد الأهداف وحده، ولا تكون القوة مبررًا للصمت أمام المظالم.

وفى عالم أنهكته الحروب، وتآكلت فيه الثقة بالمؤسسات الدولية، وتكررت فيه مشاهد القتل والتهجير حتى كادت تتحول إلى خبر يومى عابر، ربما احتاج الناس إلى لحظة يصدقون فيها أن الجمال والموقف الأخلاقى يمكن أن ينتصرا معًا. سيبقى كأس العالم فى خزائن الاتحاد الإسبانى، وستُسجل النتيجة فى كتب التاريخ، وستُحفظ أهداف البطولة فى أرشيف كرة القدم. لكن ما سيبقى فى الذاكرة العربية ليس النتيجة وحدها. فالكؤوس يعلوها الغبار، والأرقام تتغير، والأبطال يتعاقبون، أما المواقف فتستقر طويلًا فى الذاكرة الجمعية.

لقد فازت إسبانيا بكأس العالم، لكنها ربحت فى الوجدان العربى شيئًا قد يكون أكثر بقاءً من أى كأس. ففى النهاية، لا تشجع الشعوب الأبطال وحدهم.. إنها، فى لحظات نادرة، تشجع ضميرها.

أستاذ مشارك (وحاصل على درجة الدكتوراه فى الدراسات الأمريكية من جامعة جورج واشنطن)

عيد محمد أستاذ مشارك (ودكتور حاصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الأمريكية من جامعة جورج واشنطن)
التعليقات