عرابى وفريد وعيد الجلاء - سمير عمر - بوابة الشروق
الأحد 21 يونيو 2026 10:03 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

عرابى وفريد وعيد الجلاء

نشر فى : الأحد 21 يونيو 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الأحد 21 يونيو 2026 - 6:15 م

فى ربيع عام ألفين وستة عشر كنت أعمل على إنتاج فيلم وثائقى عن لغز سقوط الطائرة الروسية فى منطقة الحسنة بوسط سيناء، وتطلب ذلك منى السفر إلى مدينة شرم الشيخ التى أقلعت الطائرة المنكوبة من مطارها فجر الحادى والثلاثين من أكتوبر 2015.  

فى المطار التقيت السفير البريطانى بالقاهرة آنذاك «جون كاسن» والذى كانت بلاده أول دولة تمنع مواطنيها من السفر إلى سيناء على خلفية الحادث.

صافحنى «كاسن» بابتسامته التى اعتدتها وبادرنى بالسؤال: إلى شرم الشيخ مجددا؟ فقلت له: نعم أبحث عن لغز الطائرة الروسية، وأنت؟ فقال ذات الوجهة، حيث نتابع الإجراءات التى تتخذها السلطات المصرية فى مسألة تأمين المطار. 

فقلت له إذن فقد حصلت للتو على سبق صحفى، فرد باسما: لا داعى أرجوك لإعلان الخبر إلا إذا بادرت السلطات المصرية بإعلانه.

هو كان يعلم أن الخبر سيتم إعلانه، وأنا أيضا كنت أعلم ذلك، لذا قررت تغيير دفة الحوار وسألته: ومتى تعلن بريطانيا السماح لمواطنيها بالسفر إلى سيناء مجددا؟ فقد كنتم أول من علق الرحلات بعد ساعات من سقوط الطائرة؟ فرد سريعا: لا تتعجل الأمور، فالموضوع مازال قيد البحث، ثم بادرنى بالسؤال: لماذا لم تزرنى فى مكتبى بالسفارة حتى الآن؟

قلت له بكل سرور، بشرط أن أجرى معك حوارا تليفزيوينا نتناول فيه هذه المسألة، فقال: لا مانع من حيث المبدأ لكن دعنى أرتب الأمر أولا وأبلغك .

بعد هذا اللقاء بنحو شهر استقبلنى السفير «جون كاسن» فى مقر إقامته واصطحبنى فى جولة داخل أروقته، على الحائط المقابل لمكتبه كانت صور توقيع اتفاقية الجلاء تحتل المكان الأبرز حيث يظهر الرئيس المصرى جمال عبد الناصر، و«أنتونى ناتنج» وزيرالدولة البريطانى للشئون الخارجية الذى وقع اتفاقية الجلاء عن الجانب البريطانى.

فقلت له: حسنا فعلت بوضع هذه الصورة هاهنا، هل تعلم أن «أنتونى ناتنج» أصبح صديقا للرئيس عبد الناصر بعد توقيع الاتفاقية وأنه ألف كتابا عنه بعد ذلك؟ فقال: نعم أعلم، لكن الصورة موجودة هنا من قبل أن أصبح سفيرا لبلادى بالقاهرة.

وحين دخلت مكتبه قلت له: ها هنا كان يجلس اللورد كرومر عدو المصريين الأول، فرد بابتسامته المعتادة، لكن الوضع مختلف الآن فمصر وبريطانيا أصدقاء، وأنا لى أصدقاء مصريون كثيرون وأنت منهم أليس كذلك!

ابتسمت ولم أرد وتوجهنا لإجراء الحوار الذى كان لقاءً لطيفا أبدى فيه السفير قدرا كبيرا من الود والتقدير لمصر والمصريين.

جرت هذه الوقائع بعد نحو ستين عاما من خروج آخر جندى بريطانى من مصر فى يوم 18 يونيو 1956 وهو ما كان يعرف بعيد الجلاء الذى للأسف لم يعد يتذكره إلا القليلون. 

لم يكن خروج بريطانيا من مصر بالمعركة السهلة، فقد كانت معركة متنوعة الجبهات متعددة الجولات، انتهت بتوقيع اتفاقية الجلاء فى التاسع عشر من أكتوبر عام 1954.  

فى البهو الفرعونى داخل مقر البرلمان المصرى جرت مراسم توقيع الاتفاقية التى لم تخل من دلالات وإشارات أرداها جمال عبد الناصر، ففى مدخل البهو الفرعونى كانت صورة الزعيم أحمد عرابى تستقبل الوفدين فى إشارة لا تخطئها العيون، فها هو الثائر الأول أحمد عرابى يتابع فى كبرياء مراسم توقيع المحتل على اتفاقية خروجه من البلاد، وكتبت الصحف بعدها: «فى البهو 

الفرعونى حيث وقعت اتفاقية الجلاء، أطل الزعيم أحمد عرابى يحيى الرئيس جمال عبد الناصر وهو مار بجوار لوحته المعلقة بالبهو يصحبه المستر «ناتنج» إنها تحية الثائر الأول الذى هتف بخلع توفيق عن عرش مصر وثار على ظلم الأتراك وحارب الإنجليز... للثائر الأخير الذى خلع فاروق، وأنزل الستارة على حكم الأسرة الأجنبية التى حكمت مصر، وكتب بيده الفصل الأخير فى قصة الاحتلال البريطانى».

كان وجود صورة الزعيم أحمد عرابى ذا مغزى، تماما كما كانت صورة محمد فريد فى ذات المشهد تحمل ذات المغزى.

حين التقى الزعيم مصطفى كامل لأول مرة بخطيب الثورة العرابية عبد الله النديم سأله بحماس الشباب: أريد أن أعرف لماذا هُزمت الثورة العرابية؟ كان مصطفى كامل يريد أن يقترب أكثر من أسباب هزيمة الثورة حتى لا تتكرر الأخطاء، وبعدها حمل مصطفى كامل مشعل الثورة، غير أن القدر لم يمهله كثيرا، فخلفه فى قيادة الحركة الوطنية المصرية الزعيم الفريد فى فكره وأدائه وتجربته الثورية محمد فريد، الذى عبد الطريق أمام الجحافل التى خرجت فى ثورة 1919 تطالب بالاستقلال وجلاء القوات البريطانية، وهو ما حدث بعد وفاته فى 15 نوفمبر 1919 بنحو سبعة وأربعين عاما.

سمير عمر كاتب صحفي يمتلك خبرة تمتد لنحو ثلاثة عقود في مجال الصحافة والإعلام
التعليقات