حين علقت أنثروبيك الأسبوع الماضى بأمر من واشنطن نموذجها المتقدم الجديد، صورت القصة على أنها خلاف آخر حول الذكاء الاصطناعى المتقدم يخص ضوابط التصدير وحماية الأمن القومى. لكن الدرس الأعمق أبسط من ذلك، أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعى المتقدم لا يحكمه العرض والطلب فقط، إنما تملكه سلطة بيدها أن تقننه بين عشية وضحاها.
يوجد ما ينبغى للحكومات أن تقلق منه أكثر من التأميم المقنن. الدول التى تبنى استراتيجيات الذكاء السيادى تخلط بين أمرين مختلفين. الأول مسألة الوصول، أن يقطع الخدمة مزود خارجى بقرار حكومى، كما حدث مع نموذج أنثروبيك. الثانى مسألة المعرفة الداخلية، عندما لا تملك المؤسسات المعرفة الكافية بنفسها، حيث سجلات رواتبها وعقودها ومشترياتها مبعثرة فى أنظمة خارج سلطتها الكاملة لتدقيقها أو تكييفها. المسألة الأولى تحل بتغيير المورد. المسألة الثانية أعمق، لأن البدائل الخارجية موجودة إنما المعرفة الداخلية لا تستبدل بغيرها.
أكثر الأنظمة الداخلية امتلاكا للمعرفة المؤسسة هى أنظمة الموارد. أنظمة الموارد هى سجل القرار المؤسسى من الموافقات والدفعات والتعيينات ومئات أخرى من أصناف العمليات. إذا كانت الأصول المعرفية غير منظمة أو يوجد حاجز يمنع الوصول إليها، فإنك تفقد سيادتك على ذاكرتك وهو أخطر من فقدان السيطرة على السوق.
مع دخولنا لعصر الذكاء الاصطناعى يصبح لدينا قدرة على إعادة هيكلة المعرفة الداخلية، حيث نتقدم فى حل المسألة الثانية. لكن ستواجهنا عقبة جديدة. كيف نستخلص المعرفة الداخلية للمؤسسة بأدوات لا نسيطر عليها؟ إذا لم تحل هذه المشكلة، فسنجد أنفسنا أمام خزينة معرفية مغلقة لا نملك رقمها السرى.
سنجد أنفسنا فى مرحلة اللحاق بالركب التى تكلمنا عنها سابقا. قد نملك الأدوات، لكن نفقد مهارة التوجيه والتخصيص وإعادة التصميم. ليس الأمر معلما تحققه لتنتقل إلى غيره، إنما أن تستقر فى حالة معرفية ثابتة لا تخرج منها. أن تمتلك المؤسسة المهارة فى حيازة معرفتها بنفسها وأن توظفها كما تريد ومتى تريد باستقلالية كاملة. إذا وظفت المؤسسة نموذج ذكاء اصطناعى قوى لهيكلة معرفتها، فإنها استأجرت الأداة وأجرت المعرفة لغيرها. والخطر الكامن أن تفقد الاثنين معا، ما استأجرته وما أجرته. هكذا تكون تقدمت خطوتين، وبقرار خارجى واحد يمكن أن تتراجع أربع خطوات.
الفرق بين ما قبل الذكاء الاصطناعى وما بعده بسيط؛ قبل الذكاء الاصطناعى، لا أنت ولا المورد تملكان المعرفة المؤسسية، لأن المورد يعتمد عليك لتحصيلها وأنت تعتمد على المورد للشىء نفسه. بذلك يكون الأمر لا على ولا لى.. بعد الذكاء الاصطناعى، أنت لا تملك المعرفة المؤسسية إنما المورد يملكها حتى وإن كان قرار التصرف فيها بيدك. كنت تفقد السيطرة على الأدوات المؤسسية، والآن أنت مهدد بفقدان المعرفة نفسها والأدوات التى تنتجها.
السؤال المهم فى سباق السيادة الرقمية فى عصر الذكاء الاصطناعى لا يبدأ من نماذجه القوية.. ليس الشأن فى من يملك النموذج أو من يورده، إنما من يسيطر على المعرفة التى سيتعلم منها النموذج بناء على مجريات الواقع الذى تصنعه أنت كل يوم؟
زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
جريدة الرياض السعودية