فى كتابه «الكامل فى اللغة والأدب» يروى «أبو العباس المبرد» قصة طريفة عميقة الدلالة، إذ يقول: كان الخوارج إذا أصابوا فى طريقهم مسلما على خلاف معتقدهم قتلوه لأنه عندهم كافر، وإذا أصابوا نصرانيا استوصوا به وقالوا: احفظوا ذمة نبيكم!
وقد حُكى أن «واصل بن عطاء» - وهو مؤسس الفكر المعتزلى – كان مع مجموعة من رفاقه فأحسوا بالخوارج فقال واصل لرفاقه: إن هذا ليس من شأنكم، فاعتزلوا ودعونى وإياهم.
فخرج واصل إلى الخوارج فقالوا له: ما أنت وأصحابك؟
فقال واصل: قوم مشركون مستجيرون بكم ليسمعوا كلام الله ويفهموا حدوده.
قالوا: قد أجرناكم.
فقال واصل: فعلمونا.
فجعلوا يعلمونه أحكامهم، ويقول واصل: قد قبلت أنا ومن معى.
قالوا : فامضوا صحِبتكُم السلامة فقد صرتم إخواننا.
فقال واصل: بل تبلغونا مأمننا لأن الله تعالى يقول: «وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه».
فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ذلكم لكم، فساروا معهم بجمعهم حتى أبلغوهم المأمن!
لم أكن قد قرأت هذه القصة حين شهدت بنفسى واقعة مشابهة.
إذ كنت وأنا طالب بالجامعة محبوسا مع نحو أربعين من الناصريين واليساريين على ذمة إحدى قضايا «مقاومة التطبيع»، وفى الزنزانة التى كانت تضم أيضا عددا من الإسلاميين بمختلف فصائلهم «كانوا محبوسين على ذمة قضايا أخرى» لاحظت أن أحدهم، لا يصلى معنا إذا حان وقت الصلاة، حتى إذا ما انتهينا من أداء الصلاة فى جماعة، يأتى فيصلى وحده.
وكان بالإضافة إلى ذلك لا يتحدث مع أى شخص من المحبوسين باستثناء شخص واحد هو القيادى اليسارى المهندس أحمد بهاء شعبان.
وقد أثارت تصرفات هذا الشخص استغرابي، فبادرت بسؤال المهندس بهاء عنه، فكانت الإجابة صادمة، إذ قال لى: هذا عنصر من تنظيم «الناجون من النار» وهو وفق معتقده يعتبر كل من لا يؤمن بأفكاره من المسلمين مرتدا، لذا فهو لا يصلى معهم، فأما لماذا تحدث معى؟ فهذا لأنه عرف أننى يسارى فاعتبرنى مشركا بحاجة لمن يهدينى إلى الإسلام!
لم يدم بقاؤنا مع هذا الشخص بعد أن عرفت قصته، حيث تم نقلنا إلى سجن مزرعة طره.
والواقع أنه لا خلاف بين خوارج عصر «واصل بن عطاء» وخوارج عصرنا هذا، ففيهم من التعصب الأعمى لما يعتبرونه «عقيدة» ما يمنحهم شعورا زائفا بامتلاك الحقيقة المطلقة ويجعلهم يشعرون بأنهم «الأعلون» منطلقين من فكرة بلورها سيد قطب وأطلق عليها «الاستعلاء بالإيمان».
كما أن فكرة «الاستعلاء» ليست حكرا على منتسبى تيار الإسلام السياسى.
بجناحيه السنى والشيعى فحسب، فهى – للأسف – يمكن اعتبارها قاسما مشتركا بين مختلف التيارات السياسية والفكرية فى عالمنا العربى قديما وحديثا.
فالمعتزلة ورأسهم المفكر المفوه «واصل بن عطاء» الذى بدأنا هذا المقال بقصته، وعلى الرغم من أنهم أكثر الفرق الإسلامية حديثا عن الحرية وإعلاء قيمة العقل، قد مارسوا أقسى أنواع «الاستعلاء» حين استتب لهم الأمر وتبنى الخليفة المأمون أفكارهم ثم حولوا دعوتهم إلى «محاكم تفتيش».
فكانوا يختبرون العلماء والفقهاء فى قولهم «بخلق القرآن» ومن يثبت عليه رفضه للفكرة ومعارضته لها يعاقب بأشد أنواع العقاب الذى قد يصل إلى القتل، وكذلك ما حدث مع ثورة «الزنج» التى بدأت بدعامتين أساسيتين لمواجهة احتكار الثروة والسلطة، فكانت ذات بعد دينى وآخر اجتماعى.
لكنها لم تفلت من الوقوع فى فخ «الاستعلاء» والشعور الزائف بامتلاك الحقيقة المطلقة، وغير بعيد عن ذات النهج كانت بعض الحركات الشيعية التى تنطلق من ولاية الإمام والتى تنشأ بدورها من ولاية الرسول، وأما ولاية الرسول صلى الله عليه وسلم فتنشأ من ولاية الله تبارك وتعالى.
وعلى الضفة الأخرى من بحر الاستعلاء المسمم يقف قطاع عريض من أتباع الحركات السياسية والفكرية فى عالمنا العربى وعلى رءوسهم تيجان «الحقيقة المطلقة» الزائفة، يوزعون على الناس صكوك الغفران الوطنية والقومية.
إن آفة أمتنا وخطيئة نخبتنا هى فكرة الاستعلاء، فمنا من يستعلى بالإيمان، فيصف مخالفيه بالشرك، ومنا من يستعلى «بالوطنية» فيصف معارضيه بالخيانة، ومنا من يستعلى «بالقومية والتقدمية» فيصف مناوئيه بالشوفونية والرجعية.
وقديما قالت العرب: «لولا الوئام لهلك الأنام» والوئام بمفهومه الواسع هو الوفاق وقبول الآخر، هو السلام الاجتماعى الذى يقى الأمم شر النزاعات والانشقاقات والتخوين والتكفير، وما أحوجنا لهذا المفهوم فيما نواجه حاليا من فتنة كبرى.