الباثولوجيا الاجتماعية والنفسية فى مرآة الخوارزميات! - قضايا تكنولوجية - بوابة الشروق
الإثنين 18 مايو 2026 1:16 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الباثولوجيا الاجتماعية والنفسية فى مرآة الخوارزميات!

نشر فى : الأحد 17 مايو 2026 - 6:50 م | آخر تحديث : الأحد 17 مايو 2026 - 6:50 م

نشر موقع عروبة 22 مقالا للكاتبة بشرى زكاغ، توضح فيه تحول الفضاءات الرقمية وشبكات الإنترنت من منابر واعدة للتعلم وحرية التعبير إلى بيئات خصبة لـ «الباثولوجيا (الأمراض) الاجتماعية والنفسية». فالتدهور النفسى والاجتماعى فى الفضاء الرقمى ليس مجرد خلل تقنى عابر، بل هو مرآة تعكس احتياجات نفسية واجتماعية لم تجد لها متنفسا فى واقع حقيقى يزداد تعقيدا وهشاشة.. نعرض من المقال ما يلى:

أتاحت الثورة التكنولوجية، والوصول السهل إلى الإنترنت، فرصا غير مسبوقة للحضور والتفاعل الاجتماعى، غير أن هذا التحول يحمل فى طياته مفارقة بنيوية تعصف بالفضاءات الرقمية، محولة إياها من منابر للتعلم وحرية التعبير وتبادل الأفكار إلى بيئات خصبة لما يمكن تسميته بـ«الباثولوجيا الاجتماعية والنفسية»، والمقصود بالباثولوجيا المستقاة من حقل العلوم الطبية، مجموع الظواهر الاجتماعية والنفسية على الشبكات الرقمية، والتى تعد غير سوية أو مضطربة مقارنة بما يعتبر طبيعيا أو سليما داخل المجتمع.

تتجلى الباثولوجيا الاجتماعية بوضوح فى الفضاءات العربية والعالمية عبر انتشار خطاب الكراهية، والتنمر الإلكترونى، وثقافة الإلغاء، وضخ الأخبار الزائفة ضمن منصات لم تعد محايدة، بل أصبحت رهينة لاقتصاد الانتباه، وسطوة الخوارزميات، والرأسمال المنصاتى، مما يفرض إعادة مساءلة ملحة لقضايا التضامن والتعاون والتعايش بين أفراد المجتمع الواحد، وبين الدول والثقافات، خاصة حينما يتعلق الأمر بمجتمعات تعددية، أو تعرف توترات حدودية أو صراعات طائفية، حيث تتقاطع الهشاشة المجتمعية مع هشاشة نفسية تغذى الاستخدام الباثولوجى / المرضى للتكنولوجيا.

أما بخصوص الجانب النفسى، فقد أدخلت الحياة الرقمية على الشبكات تحديات غير مسبوقة، من قبيل «التحميل الرقمى الزائد»، و«الإجهاد المعرفى»، و«ضعف الانتباه»، و«اضطراب الذاكرة»، و«اضطراب التنظيم العاطفى»، إذ تشير البيانات العالمية الحديثة إلى أن انتشار الهواتف الذكية تجاوز 85% على مستوى العالم، حيث يقضى البالغون فى المتوسط 7 ــ 9 ساعات يوميًا مع الأجهزة الرقمية، ولهذا التعرض المتزايد آثار عميقة ليس على الوظائف المعرفية فحسب، بل أيضا على الممارسة الاجتماعية؛ حيث تدخل الهواتف الذكية مستخدميها فى حالة اتصال دائم مع البيئات الافتراضية والرقمية، وتضطلع المنصات عبر آليات الإشباع والتحفيز بمهمة الإبقاء عليهم فى حالة انفصال عن الواقع، وهذا الوضع يجعل الجهاز العصبى، مع مرور الوقت يعيش حالة «تدفق ذهنى» تفقد الفرد وعيه الاجتماعى التواصلى، وإحساسه بالوقت، كما تستخدم كاستراتيجية للهروب من الضغوط، وهو ما يخل بما يعرف بـ«توازن الحياة الرقمية».

ومن ذلك مثلا، أن يميل الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات المزاج، كالاكتئاب أو القلق، إلى الاستخدام المفرط للشبكات لتلبية احتياجات اجتماعية يفتقدونها فى الواقع. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد أيضا ليشمل سمات الشخصية المرضية التى تجد فى الفضاء الرقمى متنفسا لها؛ فالنرجسيون يبحثون بشراهة عن الإعجاب والترويج للذات لتعويض مشاعر الفراغ، وذوو الشخصية «الحدية» يندفعون نحو الشاشات بحثا عن الطمأنينة وتخفيفا للضيق الانفعالى، بينما يستغل أصحاب السمات العدوانية التخفى الرقمى أو ما يعرف بـ«تأثير فقدان الكوابح» (Online Disinhibition Effect) بتعبير جون سولر (John Suler ــ 2004)، لممارسة سلوكيات عنيفة تجاه الغير أو معادية للمجتمع، فى حين تتغذى الشخصية ذات السمات الذهانية على خوارزميات «غرف الصدى» التى تعزل المستخدم فى بيئات متجانسة مع أفكاره، حيث يجد ضمن هذه الغرف ما يعزز معتقداته غير المألوفة، ويزيد من انفصاله التدريجى عن حياته الواقعية.

ويمكن فهم هذا التحول أيضا فى ضوء ما ذهب إليه الفيلسوف جيلبير جرمين (Gilbert Germain) فى مقالته «الحالة الإنسانية فى عصر التكنولوجيا» (2004)؛ حيث اعتبر أن «التكنولوجيا المعاصرة تفاقم اغتراب الإنسان عن الأرض، بل وتعيد تشكيل «الحالة الإنسانية» بطريقة سلبية، كما رأى أن هذه التقنيات، على الرغم من كونها تربط العالم وتجعله أكثر «تقاربا»، فإنها فى الوقت نفسه تحرر الإنسان من قيود المكان والزمان الأرضيين، وهى القيود التى شكلت تاريخيا فهمنا لما يعنيه أن نكون بشرا».

تؤكد كل هذه المعطيات المتشابكة أن التدهور النفسى والاجتماعى الحاصل فى الفضاءات الرقمية، سواء بأبعاده السياسية أو الثقافية أو الاقتصادية أو الإدمانية، ليس مجرد خلل تكنولوجى عابر، بل هو مرآة دقيقة تعكس احتياجات نفسية واجتماعية لشرائح واسعة من المستخدمين، لم تجد متنفسًا لها فى عالم واقعى يزداد تعقيدًا وهشاشة وضمورًا، وهو ما يضعنا أمام سؤال مركزى حول الحرية والأفكار الصالحة فى قلب فضاءات اجتماعية مصطنعة؛ حيث تتقاطع الباثولوجيا الاجتماعية والنفسية مع منطق الخوارزميات واقتصاد الانتباه: فأى حرية ممكنة فى عالم تعاد فيه هندسة التفاعلات والاختيارات، ويتآكل فيه الاعتراف داخل الدولة والمجتمع؟ وهل ما نشهده هو فعلا اتساع لفضاءات التعبير وتداول الأفكار، أم أننا أمام عملية إنتاج جديدة لأنماط مصطنعة من الشخصيات والهويات اللااجتماعية؟!.

النص الأصلى:

 

قضايا تكنولوجية قضايا تكنولوجية
التعليقات