كان والدى معجبًا بشقيقين طبيبَين معروفَين فى نهاية الأربعينيات أحدهما اسمه شامل والآخر اسمه مجيب، ولذلك قرَر حين يرزقه الله ولدَين أن يسمّيهما بنفس هذين الاسمين، وهكذا حمل أخى الأكبر اسم شامل وأخى الأوسط اسم مجيب. أما أنا فلم يكن مخَطَطًا لولادتى من الأساس، بل إننى جئت للدنيا رغمًا عن والدّى، وتلك قصة أخرى. ولأن اسميّ أخوّى لم يكونا شائعين كان لابد أن نعيدهما على السامع أكثر من مرة حتى يلتقطهما بشكلٍ سليمٍ، ثم يتلو ذلك السؤال التقليدي: من أين أتى اسما شامل ومجيب؟ فنشرح. وعندما شاع اسم رئيس جمهورية بنجلاديش مجيب الرحمن فى السبعينيات أضيف للسؤال السابق سؤال جديد هو: مجيب كده بس بدون الرحمن؟
• • •
فى طفولته كان يملك مجيب ذاكرةً فوتوغرافيةً كما يقال فكان يحفظ نصوص الشعر فى مادة اللغة العربية عن ظهر قلب ويلقيها بمنتهى الطلاقة والوضوح. وهذه المَلَكة كانت مصدر اعتزاز كبير جدًا خصوصًا من جانب والدى رحمه الله الذى كان يحب التفوق بكل أشكاله وفى كل المجالات.. نعم كل الآباء يحبون تفوق أبنائهم لكن تقدير والدى لهذه الظاهرة كان استثنائيًا. وهكذا ما أن كانت تشرّف بيتنا مجموعة من أصدقاء الأسرة حتى كان والدى يخاطب أخى قائلًا: سمّع قصيدة محمود سامى البارودى أو امرؤ القيس أو أحمد شوقى يا مجيب، فيتأهب أخى للمهمة المقدسة. يقف فوق الكرسى ليراه الجميع وينفخ صدره الصغير ويلقى الشعر العربى الفصيح كأفضل ما يكون. وعندما أصيب مجيب بحمّى روماتيزمية فى مطلع الستينيات ولم تكن وسائل العلاج قد تطوّرت بعد، اعتبرَت أمى أن ابنها الوسطانى محسود، ومن يومها توقّف مجيب عن إلقاء الشعر ووضع نظارة طبية على عينيه الواسعتين الجميلتين. لكنه ظل محتفظًا بذاكرته الفوتوغرافية ووظفّها فى حفظ القرآن وبعض الأدعية.
• • •
ولأنه كان الأخ الأوسط فإنه كان هو الأقرب سنًّا لى، وبالتالى ارتبطَت كل شقاوة الطفولة به. حكيت فى أحد مقالات الشروق عن المقلب الذى دبّره لى ذات يوم بأن أقنعنى بالصعود فوق الدولاب المرتفع حيث أجد جنة من الحلوى اللذيذة، ولما طاوعته أغلق باب الدولاب فما كان منّى إلا أن قفَزت من سطح الدولاب خوفًا من عقوبة والدى. لكن هذا ليس هو المقلب الوحيد فى حياتنا، فهناك ذلك المقلب المرعب الذى دبّره لى أثناء إجازتنا الصيفية بقريتنا الصغيرة فى قلب الدلتا، عندما عرض عليّ الخروج لشّم الهواء العليل فى المساء وصدّقته لأجد نفسى عند مقابر القرية الموحشة، فجريت ملتاعة ودموعى تسبق ساقّى. وهناك المقلب الذى كاد أن يتحوّل إلى غمّ عندما صحبنى فى الليلة التى قضيتها مع أوائل الثانوية العامة فى كلية ڤيكتوريا بالإسكندرية تمهيدًا لسفرى معهم إلى بيروت، فإذا به يسحب سرير أحد الأوائل من غرفة البنين بكل هدوء ويدفعه إلى وسط الردهة. وكانت مشكلة عندما استيقظ زميلى فى الصباح ووجد نفسه محاطًا بدهشة الجميع فتدخّل المشرفون على الرحلة للتهدئة. لكن المقالب لم تكن دائمًا من طرف واحد فقد كنت مثله من هواتها لكن على خفيف، وهكذا اشتركنا معًا فى دقّ جرس الباب على الجيران فى الأدوار العليا والاختفاء بسرعة قبل أن يرانا أحد، وفى رشّ المياه على المارة من نافذة الدور الأرضى بشقة المنيل ثم الاختباء تحتها لنعاود الكرّة بعد قليل. نعم كانت لنا معًا كل هذه الجرائم الشريرة الصغيرة التى كنّا نضحك لها من أعماق القلب.
• • •
مجيب من ذلك الطراز من البشر الذى لا يمكن للعين ولا للأذن أن تخطئ وجوده أبدًا. قوى البنيان، طويل القامة، عالى الصوت، سريع الغضب، شديد المبالغة، فخور بكل ما لديه، طيب القلب، خفيف الظل، لا يحتفظ بسّر، أهلاوى متعصّب، مسّل جدًا، وهو يمتلك كاريزما لا شك فيها. من هؤلاء الذين ينزلون على مافيش كما يقول المثَل عن الأشخاص الذين يهدأون بسرعة كما يثورون بسرعة. فرحه له ضجيج وزعله له ضجيج أكبر. الموجود فى قلبه يجرى على لسانه، ولذلك فإن أفضل وسيلة لإشاعة الأخبار أن تفضفض بها لمجيب وأنت مطمئن إلى أن أمة لا إله إلا الله ستعرفها. لا تستطيع أن تقطع علاقتك به فهو لن يسمح لك بذلك أبدًا.. يختلف معك.. يصيح.. يتخانق.. يهدد ويتوعد ثم يهاتفك وكأن شيئًا لم يكن، ومع أول آلو تنسى أصل المشكلة. محّب لأهله ومرتبط بزوجته وابنتيه ارتباط التوائم الملتصقة فلا تعرف أين تنتهى حدوده وأين تبدأ حدودهن. دائم التذكير بصلة الرحم و"عضم التُربة"، والتعبير الأخير فى كل مرة قاله كان يقبض قلبى، لكنه كان ضروريًا من وقت لآخر للتذكير بأن للراحلين حقوقًا فى رقابنا. إنه توليفة غريبة تجمع ما بين الخوف الشديد من المرض إلى الحد الذى يجعله يمشى على العجين ما يلخبطوش، والتهوّر الشديد الذى يغريه بأن يأكل عدة ساندويتشات شاورما مرة واحدة أو الاستئثار بصينية بسبوسة وحده دون أصدقاء النادى.
• • •
وعلى سيرة النادى فإن مجيب إنسان عالمه ضيق ومشاويره قليلة منذ تقاعد من عمله كمهندس شاطر بواحدة من أكبر شركات المقاولات المصرية. النادى والبنك وبعض الأقارب، ومنذ نحو عشر سنوات أضيفت لهذه المشاوير مشاوير الأطباء رايح جاى بعد أن تعبت كِليته الوحيدة التى خُلق بها. وبالمناسبة هو لم يكتشف أنه يحمل كلى واحدة إلا وهو فى أواخر الأربعينيات من عمره، وجاء اكتشافه بالصدفة المحضة. ورغم محدودية النطاق الذى كان يتحرك فيه، إلا أنه معروف بما يتجاوزه بكثير. صحيح له شلّته صغيرة فى النادى، لكنه كان يعرف الكل، ينادى الزوار الجدد بدون سابق معرفة، ويكلم الجالسين فى الطاولة البعيدة ليدعوهم ببساطة للانضمام للجلسة أو ليطلب منهم منديلًا ورقيًا أو كوب ماء أو أى شيء فهو إنسان عِشرى. ولذلك فإن دائرة معارفه أوسع بكثير من دائرة تحركاته. باختصار كان إنسانًا على سجيّته.. طيب القلب.
• • •
عندما مرض مرضه الأخير كنت أداعبه دائما بالقول: إوعى تلعب بديلك يا جيبة؟ فكان يضحك ويرد: ديلى إيه ده أنا لما باكّح بانهج. يحفر رده خطًا غائرًا فى داخلى لكنه كان يطمئننى على أنه مازال يحتفظ بقدرته على السخرية. من الأصل كان إنسانًا مستقيمًا ليس له فى اللعب بالديل. دائما "ربنا" موجود فى كل جملة مفيدة يقولها. وعندما ذهب إلى خالقه وأخذ المقرئ يتلو سورة يس التى كان يحبها ويحفظها- وأتى المقرئ إلى الآية التى تقول "وذللنَها لهم فمنها رَكوبهم ومنها يأكلون" تصوّرت أن صوت مجيب سيأتينى لينبهنى إلى إننى يجب أن أخلّى بالى إلى أن "رَكوبهم" تُنطَق بفتح الراء وليس بضمها، فانتبهت فعلًا لأتأكد من النطق السليم. رحمك الله يا مجيب.. رحمك الله يا جيبة.