ماذا لو زَهَقَ التشات چى پى تي؟ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 8 مايو 2026 7:10 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

ماذا لو زَهَقَ التشات چى پى تي؟

نشر فى : الخميس 7 مايو 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الخميس 7 مايو 2026 - 7:25 م

حكيتُ أكثر من مرة عن مغامرات الأحفاد مع التشات چى پى تى، فعندما عاتب الجدّ حفيدته على تأخرها فى النوم أيام الدراسة- وَعَدَته باللغة الإنجليزية بأن تغيّر سلوكها، ولمّا طلب منها أن تكتب هذا الكلام باللغة العربية استعانت بالتشات چى پى تى وكتبَت: أعدك يا جدو أن أبذل قصارى جهدى للنوم مبكرًا، وظن الرجل الطيب أن ما كتبَته كان من بنات أفكارها. وعندما حذّر التشات چى پى تى نفس الحفيدة من الخروج فى أثينا لأن الجو متقلّب، رفضَت التحرك ولو شِبر واحد خارج الفندق- وبعد محاولات مستميتة لإقناعها بالخروج وافقَت بشرط أن تعود متى شاءت. صار التشات چى بى تى مصدرًا للرأى والنصيحة والمعرفة والصديق كما قالت عنه الحفيدة، وهذا المقال عن حكاية تخّص علاقتى معه.
• • •

لستُ ممن يأخذون معلوماتهم الطبية عن طريق التشات چى بى تى، فالاعتماد على معلومات هذا التطبيق لابد أن يكون محفوفًا بالحذر فى العموم، فما بالنا إن كان الأمر يتعلق بالصحة؟ والقاعدة هى أن التطبيق لا يُقدم لنا إلا ما يتوفّر له من معلومات وهى عُرضة لأن تتلوّن حسب الجهة أو الجهات التى تغذيه بها، والوعى بذلك مهم.


• • •
أصيبت إحدى صديقاتى بمرض الوهم. كانت قد مرت بظروف صعبة- خرجَت منها لتدخل فى دوامة من الأعراض الوهمية لعددٍ غير قليلٍ من الأمراض. لم تترك اسمًا طبيًا بارزًا فى الأمراض التى كانت تظن أنها تعانى منها إلا واستشارته، أطباء قلب ومخ وأعصاب وباطنة وأمراض نفسية وكل شئ. أشعات وتحاليل بالكوم تراكمَت فوق بوفيه سُفرتها القديمة وزاحمَت طبق الفاكهة الكبير المصنوع من الفضّة الخالصة. مواعيد الكشوفات والاستشارات الطبية أخذَت تزحف على كل ارتباطات روتينها اليومى فتُلغى ما تُلغيه وتُؤجل ما تُؤجله. إنفاق باذخ على ڤيزيتات الدكاترة والأدوية مع مقارنات لا تنتهى بين الآراء الطبية وترجيح الرأى الذى يعتبر أن حالتها مقلقة. دخلَت المسكينة فى نفق مظلم، فالكلام معها لا يفيد والمنطق مركون على جنب. فى العادة نحن حسّاسون لمرض الأصدقاء خصوصًا القريبين منهم، لكن هذه الحساسية تزيد مع تقدّم العُمر. يتحوّل الأصدقاء إلى ما يشبه المرآة التى نرى فيها أنفسنا، تنعكس تجاعيدنا ورؤوسنا البيضاء وخطواتنا الحذرة فى وجوههم ورؤوسهم وطريقة مشيهم كأنهم نحن. فما العمل وكيف السبيل لإقناعها بأنها بخير وبأن الأشعات لا تكذب؟ تذكَرت الخادمة توانات فى مسرحية موليير الشهيرة "مريض بالوهم" عندما تقمّصت الخادمة المخلصة دور طبيب لتحرّر مخدومها أرجان من خزعبلات المرض، فهل هناك فرصة لتكليف أحد بتكرار ما فعلته توانات أم أن ما حدث على المسرح يبقى فيه؟ لا توجد إجابة واحدة فعميد المسرح العربى يوسف وهبى قال إن الدنيا ما هى إلا مسرح كبير. لم يتبق إذن من سُبل إلا اللجوء لأحد خيارين الشعوذة أو الذكاء الاصطناعى.


• • •
للمرة الأولى أستعين بالتشات چى پى تى فى مسألة لها علاقة بالصحة وقد انتهت تجربتى معه نهاية طريفة. وصفتُ للتطبيق حالة صديقتى بالتفصيل، شرحتُ له كيف انقلب حالها بين يوم وليلة من: الحمد لله أنا بألف نعمة إلى ربنا يجيب العواقب سليمة. لخصتُ له ما وصلَت إليه التقارير وحاولتُ قدر المستطاع ألا أوجهه فى أى اتجاه. كان رد التطبيق أن هذا نوع من الاضطراب النفسى وليس المرض العضوى. سألتُ: ألا يوجد احتمال أن تكون الأعراض التى تشكو منها مؤشرًا على إصابتها بأمراض عضوية؟ رد التطبيق لا يوجد هذا الاحتمال لأن كل النتائج سليمة. عدتُ أسأل: لكن يوجد لعائلة صديقتى تاريخ طويل مع أمراض معينة فهل يمكن أن يكون ما تعانيه مقدمة لها؟ رد التطبيق بأن التاريخ الصحى للعائلة يزيد فرص الإصابة لكن امتداده عبر الأجيال ليس حتميًا. سألتُ من جديد: لماذا ظهر الاضطراب النفسى بعد أن تخففَت صديقتى من المشاكل التى تعانى منها؟ رد التطبيق بأنه لا توجد أسباب محددة للاكتئاب بدليل انتشار حالات الاكتئاب بل والانتحار فى دول الرفاهية الاقتصادية كما هو الحال مع الدول الإسكندنافية. معه حق ورغم ذلك سألتُ للمرة الرابعة: إن عدم وجود المشاكل قد يكون هو نفسه مشكلة لكن صديقتى لديها مشاكلها كباقى خلق الله.. فهل هذا القياس منطقي؟ رد التطبيق بأن مثال الدول الإسكندنافية كان فقط للتدليل على فكرة أن الاضطراب النفسى لا يحتاج لمبرر. لم يشفِ الرد غليلى فسألتُ: ماذا نفعل فى حالة صديقتى التى لم تتحسّن مع العلاج النفسي؟ رد التطبيق بأن التعامل مع الاضطرابات النفسية يحتاج وقتًا طويلًا ويمكن التفكير فى وسائل مساعدة كالسفر. آه وقع التشات چى بى تى فى المحظور وبدأ يتدخل فيما لا يعنيه، ماله هو إن كانت صديقتى تسافر أم لا؟ واصلتُ الاستجواب وسألتُ: ماذا يمكن أن نفعل غير السفر؟ رد التطبيق لا تفعلوا شيئًا.. الدعم النفسى الطبى والإنسانى حاليًا هو كل المطلوب. ممم.. يبدو أننى قمت باستفزاز التشات چى پى تى فإجابته الأخيرة معناها أنه يريد إنهاء النقاش باعتبار أنه ليس فى الإمكان أفضل مما كان.


• • •
لبعض الوقت شعرت بإحساس لا مبرر له من السعادة لأننى زهّقت التشات چى پى تى فى عيشته وبدلا من أن يكون هو الفاعل ونحن فى موقف المفعول به، تمكنت من أن أحشره فى الزاوية وأضطره لإنهاء المناقشة. وقبل ذلك لم أكن أعلم أن التشات چى پى تى يشعر وأن صبره يمكن أن ينفد، فالذين يتعاملون معه يدركون أنه دائم التطوّع باقتراح البدائل عبر سؤاله الشهير: إذا كنت ترغب أستطيع أن أفعل لك كذا وكذا. لكننى أمطرته بالأسئلة واستهلَكت مخزونه من الإجابات فبدا كما لو أنه اقتبس مقولة عادل إمام الشهيرة: الناس دى بتقول كلام زى الفل كى أسكت. مضت على هذه الواقعة عدة شهور تحسّنت فيها حالة صديقتى بشكل ملموس، فقد يكون العلاج النفسى أتى بمفعوله، وقد تكون حالة التمرد الداخلى على شرور الآخرين أدت دورها وانتهت. أما الخطوة التى ما زلتُ أفكر فيها فهى أن أبعث إلى التشات چى پى تى لأسأله: هل يمكن أن تعود صديقتى لا قدّر الله إلى ما كانت عليه؟ لكنى أعترف بأن ما يفصلنى عن هذه الخطوة هو خوفى من رد الفعل المحتمل!

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات