لا أظن أن أى محلل جاد للصراع الأمريكى الإسرائيلى مع إيران، كان يتوقع الوصول إلى اتفاق تسوية نهائى بين الجانبين خلال جولة المفاوضات التى انعقدت فى إسلام آباد أمس الأول السبت.
الجانبان تقاتلا بضراوة لمدة أربعين يوما كاملة حتى يوم الأربعاء الماضى، ثم إن بينهما إرثا كبيرا من العداء والشكوك وعدم الثقة، ويختلفان حتى فى نهج التفاوض، فأمريكا ترامب تريد السرعة واللقطة وطهران تفضل الصبر والتأنى.
تعثر المفاوضات قد يعنى تجدد الحرب فى أى لحظة الآن أو بعد نهاية المهلة المقدرة بأسبوعين، وقد يعنى العودة للمفاوضات بعد أن يحسب كل أطرافه حساباتهم الخاصة، أو تتدخل الأطراف الوسيطة بمقترحات تجد حلولا خلاقة للنقاط المستعصية.
إذن كل الاحتمالات واردة، وفى تقديرى أن عوامل الوصول لاتفاق أو حتى حل جزئى تبلغ ٥١٪ مقابل ٤٩٪ للعودة للحرب.
نعلم - وهو لم يعد سرا خصوصا بعد التحقيق الاستقصائى فى نيويورك تايمز الأسبوع الماضى - أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب انجر وراء أوهام رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بأن العملية العسكرية لن تستغرق سوى أيام قليلة يسقط خلالها النظام الإيرانى، ويأتى نجل الشاه بدلا منه، ويتم القضاء على القدرات العسكرية والعلمية والاقتصادية الإيرانية.
الآن وبعد قتال الأربعين يوما فإن هذه الأوهام قد تبددت، لأنه فى اللحظة التى وافق فيها ترامب على وقف إطلاق النار والذهاب إلى المفاوضات فإنه كان يقول عمليا إنه فشل فى كل ما وعد به.
هو يقول إنه انتصر ودمر كل الجيش الإيرانى جوا وبحرا وصورايخ ومسيرات وألغاما. إذا كان الآمر كذلك فلماذا أوقف النار وذهب للتفاوض مع المدمَّرين؟!.
من حق ترامب أن يقول ما يشاء أو يناقض نفسه فى التصريح الواحد، لكن الحقائق تظل هى الراسخة على الأرض.
عدم سقوط النظام الإيرانى والذهاب إلى التفاوض يعنى أن كل تصورات ترامب لم تتحقق، وتعنى أيضا أن إيران لم تنتصر كما يقول إعلامها بل تعرضت لضربات موجعة خصوصا فى البنية التحتية، لكن المؤكد أن صمودها وعدم سقوط نظامها يعنى الكثير لأنها خرجت من الحرب حتى الآن بأوراق أكثر مما كان لديها مع بداية الهجوم.
أهم ورقة الآن مع طهران هى ورقة مضيق هرمز التى لم يقدرها جيدا ترامب، فى حين أن كل ما كان يهدف إليه نتنياهو هو الذهاب إلى الحرب وتدمير أكبر قدر من القدرات الإيرانية الشاملة من أول الجسور والبنية التحتية وعلماء البرنامج النووى والقادة العسكريين نهاية بمخزون الصواريخ والمسيرات.
جى دى فانس نائب الرئيس الأمريكى قال فى تصريح صحفى مقتضب فى إسلام آباد إن المفاوضات استمرت ٢١ ساعة، وإن الإيرانيين لم يقبلوا بالشروط الأمريكية التى تراها طهران غير منطقية ومبالغا فيها تماما.
وحينما يرفض الإيرانيون الشروط الأمريكية المعروفة خصوصا تسليم اليورانيوم والتوقف التام عن التخصيب وبرنامج الصورايخ البالستية، وعودة مضيق هرمز للعمل بالقواعد السابقة، وحينما تقبل أمريكا الذهاب لإسلام آباد فهذا يعنى أنها فشلت عسكريا، وطهران رفضت شروط واشنطن لأنها لا تزال تملك أوراق قوة حقيقية.
تعتقد إيران أن ورقة هرمز يمكن استبدالها بالعديد من المكاسب التى لم تكن ممكنة سابقا خصوصا الحصول على تعويضات سواء مباشرة أو عبر رسوم على ناقلات النفط أو عبر رفع العقوبات الاقتصادية أو شمول الاتفاق لحزب الله اللبنانى، ومعظم هذه الشروط مرفوضة أمريكيا وإسرائيليا وربما خليجيا. وبالتالى فالمعضلة الراهنة الآن فى المفاوضات تتمثل فى أن الرئيس الأمريكى وحينما يستمع لتفاصيل ما دار داخل غرف فندق سيرينا، سوف يدرك أن الواقع أكثر تعقيدا مما كان يتخيله، وأن إيران ليست فنزويلا. وبالتالى أمامه خيارات صعبة للغاية، إما أن يقبل بالشروط الإيرانية الصعبة وهو أمر مستحيل تماما، وإما أن يستأنف الحرب بكل قوة وأن يشمل ذلك حصارا بحريا وحربا برية، وهو أمر محفوف بالمخاطر، أو يدخل فى حرب استنزاف طويلة تقود إلى أزمة طاقة عالمية تضره فى الشارع الأمريكى وتكون خطرا كبيرا على اقتصادات ومجتمعات الخليج، وإما النزول من أعلى الشجرة والقبول بحلول وسط تراعى شواغل الجميع.
لكن هذا الخيار العملى الوحيد لن يكون مرضيا للعصابة المتطرفة فى تل أبيب، فهم يسعون بكل ما يملكون من تأثير على هدم المعبد على المنطقة بأكملها بما يقود إلى إعادة رسم خريطتها وإنشاء إسرائيل الكبرى وهو الوهم الذى يبدو أنه آخذ فى التلاشى بعد جولة الأربعين يوما الأخيرة.