يعرف البعض منا حكاية أبوالعلاء المعرى مع والده، بسبب بيت الشعر المشهور: «هذا جناه أبى علىَّ وما جنيتُ على أحد»، الذى أوصى بكتابته على قبره، لكن لا أحد منا يعرف حكايته مع أمه التى ماتت، وهو فى السابعة والثلاثين؛ فرثاها ببيت شعر جميل، قال فيه: «مضت وقد اكتهلت فخلتُ أنى/رضيعٌ ما بلغتُ مدى الفطام».
والمقصود أن الشاعر ارتدّ بعد موت أمه إلى طفولته الأولى، بل ربما تراجع إلى مرحلة أسبق، مرحلة ما قبل الولادة، وذلك ما يفسر نبذه للعالم الخارجى، وانزواءه فى بيته، وانطواءه على نفسه.
يرى الناقد المغربى والعلامة البارز عبدالفتاح كيليطو، فى كتابه «أبوالعلاء المعرى أو متاهات القول» (دار المتوسط، 2025)، أن المعرى، من خلال أسلوب الحياة الذى اختاره، يعمل على إصلاح ما أفسده أبواه أو ترميمه. أجل، لا يمكن ردّ هبة الحياة؛ لذلك سيتصرف الشاعر، وكأنه لم يتسلم هذه الهبة، حتى إنه كتب: «ألم تر أننى حىُّ كميت، أدارى الوقت أو ميتٌ كحىّ».
فى فيلمه «الحياة بعد سهام» (إنتاج رد ستار)، يبدو المخرج نمير عبدالمسيح واقفًا فى المساحة نفسها التى تركتها الأم لدى المعرى؛ فهو عند حدود الحيرة والارتباك، غير قادر على مواجهة الفقد. فبعد وفاة والدته، يعود إلى أرشيفه العائلى لتنفيذ وعده بأن يصنع فيلمًا جديدًا معها، لكن هل يمكن لصناعة الأفلام أن تعيد الأموات إلى الحياة مرة أخرى؟
لم يكن هذا سؤالًا، بل كان التحدى الذى نجح نمير فى مواجهته وتخطيه، بفضل رغبته فى إحياء ذكرى أمه عبر السينما، وتجاوز تاريخه العائلى الحافل بالكثير من الصدمات النفسية المكبوتة منذ طفولته.
جاوز نمير عامه الأربعين، إلا أنه يعود فى الفيلم إلى مراحل أسبق، وربما إلى مرحلة ما قبل الولادة أيضًا، يتأمل ما كان بين والدته ووالده من حب قديم ومن أزمات، وكيف احتاج هذا الحب إلى تضحيات قدمتها الأم، وإلى مغامرة الهجرة التى خاضها الأب متخليًا عن ماضيه النضالى.
كل هذه الأمور يكشفها الفيلم بحرفية بالغة، وببساطة خالية من الألغاز أو الارتباك فى السرد. كما لا يبدو الهاجس الشخصى ملحًّا أو مغلقًا، وبالتالى فهو محفّز على المشاهدة، رغم ما يوحى به من ذاتية.
وإذا كنا لا نجد لدى أبوالعلاء المعرى حنينًا إلى ماضيه، كما لا نجد عنده توقًا إلى تطور محتمل -كما يقول عبد الفتاح كيليطو- فإن لدى نمير الكثير من أسباب الحنين إلى الماضى، كما أن حياته مشرعة على المستقبل، كما يتمثله فى ابنه وابنته، وهما يتابعان رحلة إفلاته من ذاكرته، وليس التشبث بها كما يظن البعض.
لا يبدو الحكى وسيلة ناجحة للإبقاء على الذكريات أو التخلص منها، لكنه يوفر أداة تمكّن دائمًا من التعبير عن الذات، أو نقل الشعور بالفقد إلى آخرين.
أتذكر، أمام كل فيلم من هذا النوع، رسالة كتبتها امرأة من جورجيا إلى المخرج الشهير أندريه تاركوفسكى بعد أن شاهدت فيلمه «المرآة»، كتبت فيها: «أشكرك على الفيلم، طفولتى كانت كذلك. إحساس مدهش كان يملأ روحى كلها... لكن كيف عرفت ذلك؟ وأنا أنظر إلى الشاشة المضاءة بموهبتك، شعرت للمرة الأولى فى حياتى بأننى لست وحيدة".
لا أعرف الكثير عن نمير عبدالمسيح، باستثناء ما قرأته حول حياته؛ فهو من مواليد عام 1974، وبعد أن أمضى أيام طفولته الأولى فى مصر، عاد إلى فرنسا واستمر فى الحياة هناك، ودرس الإخراج السينمائى، وأخرج فيلمين روائيين قصيرين قبل أن يقرر استكشاف أسئلة أكثر حميمية عبر فيلمه الوثائقى «أنت، وجيه»، الذى استكشف خلاله علاقته بوالده، وهو سجين سياسى سابق فى حقبة حكم جمال عبدالناصر لمصر. أما أول أفلامه الطويلة «أنا والأقباط والعذراء»، فكلها أعمال لم أشاهدها.
يستعمل نمير فى «الحياة بعد سهام» تقنيات فريدة للسرد البصرى، تجمع العديد من المواد التى تبدو أقرب إلى الكولاج؛ فالحكاية التى يسردها حول الحياة بعد فقد الأم تجبره على استعادة الحياة التى كانت فيها، وأهم ما فيها يرتبط بتعلق الابن بالسينما، وبأفلام يوسف شاهين بالذات. وبالتالى فإن ما يقدمه يقوم على فكرة التماهى مع العالم الذى قدمه شاهين عبر أفلامه التى تظهر على الشاشة، ليس فقط لتمثل تحية مستحقة للمخرج الكبير بالتزامن مع مئويته، وإنما هى حيلة تقنية واستعارة قام المخرج بترصيعها ضمن مواد أخرى، شملت رسائل وخطابات نصية، وبعض مقاطع الفيديو التى صورها لوالديه وأقاربه، وكذلك الصور الفوتوغرافية التى احتفظت بها العائلة.
كما استعمل إفادات أخرى قدمها الأب، وهو ذاهب أيضًا إلى موته الماثل، وبالمثل عاد نمير إلى أفراد عائلته فى الصعيد، واستكمل معهم ما ينقص حكايته.
تخطف المشاهد التى صورها فى القرية القلب بصدقيتها العالية، وقدرتها على الالتفات إلى أسباب الحياة رغم صعوباتها هناك، وهى صعوبات بادية ومكتومة كذلك. وأحلى ما فى تلك المشاهد كان للخالة التى تشرق الألفة فى وجهها، وهى تحكى لماذا تفرغت لتربية نمير، وهو لا يزال رضيعًا، بعد أن تركته أمه فى عهدتها، قبل أن تعود لاسترداد ابنها من جديد.
فى الفيلم الذى تواصل «سينما زاوية» عرضه حاليًا، وجدت شيئًا من نفسى، واكتشفت حاجتى للنظر فيما عشته من تجارب؛ فالميزة الأساسية فيه أنه يأخذ المشاهد إلى ذاته، ويدفعه دفعًا إلى التفتيش فى ذاكرته، ويقدم له الدليل العملى على أن ما يحتاج الإنسان إليه لكى يحكى حكايته هو أمر يتعلق بالأداة أو الوسيط الذى يصلح لكى يكون وسيلتنا لعرض أنفسنا أمام الآخرين.
يحقق الفيلم كل شروط المتعة، ويفيض بالدفء الإنسانى، ويمتلك وعيًا بما يعانى منه مجتمعنا دون التورط فى حالة استشراقية مفتعلة. وإذا كان رهانه يقوم على مساءلة الذات الفردية، ويتعامل مع أزماته بشجاعة، فإنه لا يتجاهل فى الوقت نفسه ما تعانى منه الذات أو الوطن، كما أنه يضىء مساحة مهملة فى السينما المصرية تخص ما يعشه الأقباط دون مزايدة أو تلعثم أو تردد مفتعل.