بعد ليلةٍ عاصفةٍ بالقصف، استيقظ كثيرون فى الخليج على خبر اتفاق وقف إطلاق النار، فتسللت فرحةٌ حذرة بين تثاؤبٍ وآخر. تساءلوا كما تساءلنا: هل هو هدوءٌ حقيقى أم مجرد استراحة بين قذيفتين؟ بين قرارين لرجلٍ لا يمكن وصفه بأقل من أنه مختلٌّ عقليا، أو بلغة الشارع العربى: بلطجى لا يرى فى الدم إلا رقما عابرا.
• • •
لم تدم تلك الفرحة طويلا. سرعان ما عادت الأخبار من هناك، من وطنٍ أقرب إلى القلب، من لبنان... ذاك المكان الذى لم يكن مجرد بلد، بل تجربة كاملة فى معنى الحرية. لبنان الذى عرفناه مساحة مفتوحة للرأى، حيث يمكن للإنسان أن يقول ما يريد دون أن يخشى ظلا يراقبه أو تقريرا يُكتب عنه. هناك، فى مقاهى بيروت، تعلمنا أن الاختلاف ليس جريمة، وأن النقاش ليس تهديدا، وأن الكلمة يمكن أن تكون حياة لا تهمة.
• • •
تتتابع الأخبار بخوفٍ لا يهدأ، فلا وقت للنوم، وكأن وطن العرب كلهم يُذبح - بل يُباد- على مرأى العالم. امتد القصف بشكلٍ لم نشهده منذ ما قبل الاجتياح الإسرائيلى عام 1982، حين جلس ذلك الضابط الإسرائيلى يحتسى فنجان قهوة فى مقهى الويمبى الشهير، فى مشهدٍ اختصر آنذاك معنى الاجتياح والاستباحة والمشروع الصهيونى الذى صيغ قبل 1948 بكثير، وبقى ليخلق كيانا احترف الحروب والإبادة للفلسطينيين واللبنانيين وكل من يقاوم مشروعه الكبير ذاك.
• • •
اليوم، تعود الصور ذاتها، ولكن بوجعٍ مضاعف. الشاشة مقسومة بين مناطق تتلقى القصف تباعا: من الخيام إلى مرجعيون وبنت جبيل والنبطية، مرورا بصور وصيدا، وصولا إلى بيروت- ليس ضاحيتها فحسب، بل كل أحيائها- وكأن الجغرافيا كلها باتت هدفا مشروعا. حتى جبال لبنان الشامخة، التى طالما وقفت بكبريائها شاهدة على التاريخ، لم تسلم من هذا الامتداد الوحشى.
• • •
لبنان لم يكن فقط مساحة جغرافية، بل كان درسا عربيا نادرا فى الكرامة. علّم أجيالا كاملة كيف يكون الفرح، كيف تُعاش الحياة خارج القوالب الجاهزة، وكيف يمكن للإنسان أن يختار طريقه دون أن يُفرض عليه. كان استثناء فى عالمٍ اعتاد على الصمت، جزيرة ضوءٍ فى بحرٍ من الرقابة والخوف.
• • •
ربما وجعى الشخصى أننى كنت هناك، مع كل حرب. منذ الحرب الأهلية، حين كنت فى أواخر مراهقتى - أو لعلها بداياتها- أرسم لنفسى طريقا فى الجامعة الأمريكية، قبل أن تنتزعه الحرب منى. ثم عدت فى الثمانينيات كصحفية، أُغطى حرب المخيمات، وبقيت لسنوات أعيش الوجع اللبنانى المتكرر: من قانا، إلى ما تلاها من حروب، وصولا إلى 2006، حين وجدت نفسى أعود إلى ما أعرفه- متابعة الحرب، ولكن هذه المرة عبر وجع الناس وفرحهم معا. حاولت، فى سلسلة مقالات، أن أرسم كيف تعلم اللبنانى، حتى أصبح هو المثال، فى فن الحياة وسط أكوام الدمار والحطام والموت. أتذكر فى إحدى مقالاتى فى 2006، كتبت عن اللبنانيين: «نحن بخير، طمئنونا عنكم»، وكنت فعلا أعنى أنهم بخير رغم الموت، لأنهم يقاومونه، لأنهم يعرفون- بل يدمنون- عشق أرضهم، وكيف يقدم الفرد حياته ثمنا لوطنه.. هم من يعلموننا معنى أن تحب وطنك، حتى لو اضطرتك الظروف لتركه، بل ربما معنى الوطن فى وجدان الشعوب.
• • •
واليوم، وللمرة بعد المرة، يقف لبنان الصغير بجغرافيته وحيدا يتحدى العالم كله. ألم نرَ نظرة عيون ذاك الطفل، وهو يردد بعد تدمير بيته وقتل أقاربه وتهجيره مرة ومرات: «كله فداء للوطن والمقاومة».. مرة أخرى يُترك لبنان وحيدا يواجه وحشية الكون كله، وبعضها من داخله وليس من الخارج فقط! يراقبه كثير من العرب بصمت أو تمتمات لكلمات غير مفهومة، ما هى إلا تعبير واضح عن واقع مهين للعرب اليوم. لبنان الذى كان وسيبقى مرآتنا ونافذتنا وكتابنا وجريدتنا وثقافتنا وكل فرحنا، هو الآن يخضع فى محاولة أخيرة لترويضه، أو هو ترويض شعبه.
هم فى لبنان بخير، يبقى السؤال: ماذا عنا؟
كاتبة بحرينية