المتنبى قتيل الفتنة - سمير عمر - بوابة الشروق
الثلاثاء 14 أبريل 2026 4:08 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لأداء منتخب مصر بعد وديتي السعودية وإسبانيا؟

المتنبى قتيل الفتنة

نشر فى : الأحد 12 أبريل 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الأحد 12 أبريل 2026 - 7:25 م

حب من طرف واحد، هذا هو العنوان الذى راق لى حين أردت أن أصف علاقتى بالعاصمة العراقية بغداد، فهى من أكثر العواصم العربية قربا إلى نفسى، لكن ورغم ذلك فأنا لم أزرها قط، ففى كل مرة كنت أتهيأ لزيارتها كانت تطرأ ظروف تحول بينى وبين إتمام الزيارة، ما عزز شعورى بأنها لا تريد لقائى.

فى الخامس من مارس عام 2007 وبينما كان العراق يعيش على وقع التفجيرات والعمليات الإرهابية معلومة ومجهولة المصدر والأهداف، تعرض شارع «المتنبى» فى قلب بغداد لهجوم بسيارة ملغمة ما أدى إلى مقتل نحو ثلاثين شخصا وتدمير العديد من البنايات والمكتبات التى يزخر بها شارع الثقافة الأشهر فى بغداد، شعرت آنذاك بحزن شديد، لأننى لم أزر المدينة وشارعها قبل هذا التفجير، وبعد نحو عام ونصف العام وحين تم إعادة افتتاح الشارع بعد إصلاح ما أفسدته يد الإرهاب، تجدد لدى الحنين للزيارة التى لم تتم حتى كتابة هذه السطور.

أنا أحب بغداد، وأحب المتنبى، وأشعر أن بغداد لا تحبنى، كما أنها لم تحب «المتنبى»، هل حقا لم تحب بغداد المتنبى؟!

ظاهر الحال يقول إن العراق – كل العراق - يفخر بالمتنبى شاعر العربية الأشهر الذى «ملأ الدنيا وشغل الناس» لكن الوقائع وما سجله الرواة – فى رأيى -  يثبت عكس ذلك أو على الأقل يثبت أن بغداد لم تحبه قط. 

فقد ولد المتنبى فى الكوفة، وفى مدارس «العلويين» تلقى تعليمه «الابتدائى» قبل أن يولى وجهه شطر البادية فيستقيم لسانه عربيا خالصا.

كان المتنبى - شأنه فى ذلك شأن كثير من أبناء الكوفة - من «الشيعة» ويرجح الرواة أنه انتمى للثورات الاجتماعية التى كانت تموج بها المنطقة فى هذه الآونة، والتى جسدها القرامطة بخطابهم الثورى العنيف.

تختلف الروايات فى نسبه، ويحتار الباحثون فى أمر أبيه الذى خلا ديوان المتنبى من أى إشارة له، وإن غلب القول بأنه كان سقاء فى الكوفة، ويعود أصله إلى «جعفى» أما أمه فيردونها إلى «همدان» وكلاهما من أحياء اليمن، أما جدته فهى التى تكفلت بتربيته ورعايته، وهى الوحيدة التى ذكرها المتنبى فى إحدى قصائده. 

هل أخفى المتنبى هوية أبيه عمدا؟ 

ربما، غير أن الباحث العراقى «عبد الغنى الملاح» يطرح فى كتابه «المتنبى يسترد أباه» الصادر منتصف سبعينيات القرن الماضى طرحا مثيرا حيث يقول إن والد المتنبى هو «الإمام محمد المهدى» وقد حشد فى كتابه ما يؤكد تلك الفرضية وفقا لوجهة نظره. 

وسواء صحت فرضية الملاح أم لا فالثابت أن المتنبى كان علويا شيعيا فى صباه وقد استدل قطاع عريض من الباحثين على صحة هذا الأمر من ديوان المتنبى ذاته وبخاصة فى قصائده الأولى.

لقد كان القرن الرابع الهجرى الذى ظهر فيه المتنبى فملأ الدنيا وشغل الناس قرنا مهما فى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. 

ففيه ازدهر الفكر وارتقى العقل، وفيه أيضا فسدت السياسة وشاع الضعف والوهن داخل قصور الحكم، وفيه دبت الخلافات بين الحكام واستأثر الولاة بما تحت أيديهم، واكتنز الأثرياء الأموال، وظهرت الحركات الاجتماعية ذات الطبيعة الدموية للمطالبة بحقوق الفقراء فى الثروة والسلطة. 

وربما أخفى المتنبى نسبه خوفا من بطش الباطشين من الولاة والحكام الذين سيشكلون لاحقا حاضنته الأساسية.

لم يعش المتنبى كثيرا فى الكوفة أو بغداد، فقد تقلب بين المدن والحواضر العربية فى الشام، ومصر، وكان مكوثه فى بغداد قلقا حتى كتبت شهادة وفاته قبل أن يعود إليها وهو ابن خمسين تقريبا. 

المتنبى هو شاعر العربية الأكبر هذا لا مراء فيه، لكنه فى رحلته الأخيرة إلى بلاد فارس حين لبى دعوة «عضد الدولة» فى شيراز، كتب قصائد مديح تعد من درر شعره، وبها بعض من تعريض بأمراء العرب فى الشام والعراق. 

وكان فى فترة بقائه بالعراق قبل سفره إلى فارس قد هاجم القرامطة بسيف الشعر وبالتحديد هجائه الفاحش لقائدهم «ضبة القرمطى»، كما وقف إلى جانب الحكام محاربا ومدافعا عن ملكهم فى مواجهة هجمات القرامطة.

وإذا وضعنا ما كتبه فى بلاد فارس تعظيما فى «عضد الدولة» وما فعله فى العراق ضد القرامطة، فضلا عن قصيدته التى هجا فيها «ضبة القرمطى» فإن قتله على النحو الذى ذكره المؤرخون يمكن أن يكون ثأرا من القرامطة، وربما كان ردا على مديحه لحكام فارس.

قتل المتنبى فى سنوات فتنة معقدة اختلطت فيها الثورة بالإرهاب، وفقدت فيها الأمة وحدتها، وخضعت فيها الكثير من البلدان العربية لحكم الأجانب، ودبت الخلافات فى أوصالها.  

قتل المتنبى قبل أكثر من ألف عام ومازال يملأ الدنيا ويشغل الناس ليس لأنه شاعر فذ وحسب، بل لأنه كان ابن زمانه الذى شهد له وعليه.

سمير عمر كاتب صحفي يمتلك خبرة تمتد لنحو ثلاثة عقود في مجال الصحافة والإعلام
التعليقات