عقدت شابَّةٌ فى دائرة المعارف والأصدقاء قرانَها، ولم يمُر شهران إلا وطلبت الانفصالَ وأتمَّت إجراءاته بالفعل. حكت فى لقاء شهدَ فضولَ المجتمعين كلهم؛ نساءً كانوا أو رجالًا؛ إنها تزوَّجت بعدما لمَست بنفسِها قدرةَ العريس على توفير حياة ناعمة ومريحة، لا تخلو من كماليات ورفاهية؛ ثم إذا بها تفاجأ بسوءِ الخُلُق وقُبح المُعاملة. ردَّت إحدى الصَّديقات بعدما ظلت صامتةً طيلة القعدة؛ تتابع التفاصيلَ وتعكسها فى علامات امتعاض مَمزوجة بشىء من التَّشفى: «الطمَع يقلُّ ما جمَع».
• • •
العواقبُ السيئة التى تصيب الطَّماع قد تُشفى بعض الأوقات صدورَ الآخرين؛ لم لا؟ وصيغة المبالغة تشير إلى الشَّخص النهم، السَّاعى دومًا للمزيد، والذى لا يتمتَّع فى العادة بمحبَّة الناس؛ إذ يرهقهم وينغّص عيشتهم ويُشعِرهم بشىء من الدونية ما قورنوا به؛ كونهم على الدوام أقل منه حالًا، فمتى تحوَّلت أطماعُه إلى نكبة؛ لم يجد منهم تعاطفًا ولا شفقة بل رضاءً وراحة، واطمئنانًا لصحَّة المَسار الذى اختاروا، واستردادًا للثقة فى وجود عدالة بالدنيا.
• • •
كثيرًا ما يكون الدافع الرَّئيس لاختيار شريك الحياة؛ هو ما يملِك من ميزات العيشة المَيسورة الرَّحبة، بغضّ النظر عن الجوانب الأخرى، والظنُّ أن ثمَّة أمور لا تستقيم الشراكةُ دونها ولا تتمتَّع بأى استقرار. فى السُّخرية من هذا الذى يتجرَّد طوعًا من حِكمته وبَصيرته؛ يقول المثلُ الشعبى الطريف: «يا واخد القرد على ماله؛ يروح المال ويبقى القرد على حاله». القرد الذى يحمل الذهنُ الجمعى انطباعًا بقبحه؛ لن تتغير هيئتُه الأولى تحت أيّ ظرف عابر، وبالمثل فإن السّمات التى فُطِر عليها الفرد، أبقى من ثروةٍ تتعرَّض فى أيّ لحظة للزوال. الكلماتُ حارقةٌ لاذعة؛ لكنها تثبت مرارًا صدقَها وحصافةَ قائلها.
• • •
ثمَّة أخلاقياتٌ تنشأ فى ظل استشراء أطماع الإنسان وتناميها، فتلازمه وتصبح جزءًا ثابتًا منه؛ وفى هذا الصَّدد تقول الأمثولة البليغة: "مَن لَزِم الطمَعَ عدِم الورع"، والقصد أن التوقَ لإشباع الرغبة، ينزع عن المرء تدريجيًا ميزة الإحساس بالشبع والاكتفاء، ويجرده من منظومة القيم التى تحفظ له هيبته واحترامه؛ فيمضى متخليًا عن حيائه، مدفوعًا نحو سُبل منحرفة ملتوية.
• • •
يُكنى الطمَّاع بأنه شخص «عينه فارغة»؛ يسعى دومًا للمزيد ولا يرضى أبدًا بما لديه، كلما أصاب من الثروة ما يكفيه؛ كلما تطلع لما هو أضخم وأكبر وأعظم. العينُ الفارغة تدخل طرفًا فى حكمة شعبية قاسية، تتوارد على ألسنة الناس تبعًا للموقف؛ فيقال إن البنى آدم طمَّاع «ما يملاش عينه إلا التراب»، والقصد أن تطلعاته تتصاعد بلا سقف وتتضخَّم؛ فلا تخضع لما يحجمها أو يحدُّ منها، ولا تنتهى إلا بخروج روحه وانتقالها إلى بارئها.
• • •
على الجانب المقابل للطمع؛ تقف القناعةُ، المَوصوفة فى الحكمة العربية الأصيلة بأنها «كنزٌ لا يفنى». القناعةُ قرينُ الرضاء، إذا قنع الواحد بما لديه؛ قرَّت عينُه ورضىَ عن حاله وذاته وترك الشقاءَ لغيره، بل وكلما ضاقت عليه الدنيا وقترَت من عطائها؛ كلما أسعده القليلُ وأرضاه. المفارقةُ الكائنة بين مفاهيم «القناعة» و«الاكتفاء» من ناحية، و«الكنز» من ناحية أخرى؛ تُكسِب العبارة عمقًا و ثراءً، وربما تقترب بها من التجليَّات الصُّوفية التى تجمع النقائضَ والمتضادات معًا، وتصلها ببعضها البعض؛ دون أن يشعرَ المتلقى بتعثُّره فى المعنى.
• • •
شكلت أطماع القادةِ فى أزمنة الإمبراطوريات الشاسِعة، مُنطلقًا رئيسًا لاحتلال الدول ذات الثروات الطبيعية الوفيرة، التى لاحت أدنى تطورًا وأقل عدَّة وعتادًا وشأنا. ضمَّت فرنسا تحت رايتها بلدانًا عدة، ومثلها بريطانيا العظمى، وكان أن مرَّت الأيامُ وتبدَّلت الأحوال، وتغيرت صورةُ الاحتلال المباشر واستُبدِلَت بها أنماطٌ اقتصادية تبدَّت أكثر أناقة ومُسالمة رغم قدرتها الهائلة على استنزاف الموارد واستعباد الناس؛ ثم إذا بالتاريخ يكرر نفسَه، فيستعيد كبار القادة المُعاصرين ثلةَ الأطماع الصَّريحة فى ثروات البلدان الأضعف. لا يعدم دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة جرأة فى التعبير عن مطامعه التى فاقت أبعد التصوُّرات، وجبَّت أسوأ الكوابيس؛ أطماع فى الخليج العربى وما حوله وما يبعد أيضًا عنه، أطماع فى الشرق والغرب، ومثلها فى الشمال والجنوب. أطماع مقترنة بمزيج من الغرور والفجاجة وانعدام المبادئ؛ بل وبانهيار مكانة الكلمة التى عُدَّت ذات يوم من شرف قائلها، وكذلك من مُحددات مَوضِعه على خريطة العقلاء.
• • •
الطمع هو القاعدة الأساسية التى تعتمد عليها المقامرة باختلاف صورها وضروبها؛ ثمَّة من تدفعه رغبته فى الترقى على سُلَّم السُّلطة إلى طرح كرامته على المائدة، ومَن تزين له أحلامُه وضعَ القليل الذى يملك، نظير مَكسَب سريع غير مأمون، وأحيانًا غير مشروع.
• • •
ثمَّة من يقامر بماله طامعًا فى مضاعفته، ومن يقامر بحياته طمعًا فى أخرى أفضل، ومن يعزف عن أى مقامرة راجيًا السلامة.
• • •
قد تمتدُّ يدُّ الطمع بعيدًا عن أمور الحِسابات والثَّروات والأملاك والعَقارات، بعضُ الأشخاص يطمعون فى تخليد أسمائهم بشتى الوسائل ولو بدت مضحكة؛ ويُذكَر فى هذا الصدد إطلاق الرئيس الأمريكى اسمه على مضيق هرمز، دون أن يعرفَ السامعون على وجه اليقين إن قصد القولَ أو زلَّ لسانه؛ لكن الثابت على كل حال أنه أقحم اسمه سلفًا على منشآت قديمة الوجود؛ هوسًا بتكريم ذاته طالما لم يكرمه الآخرون. لا ينفرد دونالد ترامب بهذه العلة، فرؤساء عدَّة سبقوه وآخرون سيلحقون به؛ لا إلى صفحات المجد والخلود؛ بل إلى سَلة النفايات الحافلة بتاريخ الحمق والجنون.